منتدى التعليم بريكة

تبادل التجارب و الخبرات
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:01 pm


غزوة بدر الثانية

حزن المسلمون على قتلاهم في غزوة أُحُد حزنًا شديدًا، وتمنوا أن يحدث بينهم وبين كفار قريش لقاء قريب يثأرون فيه لشهدائهم، وكان أبو سفيان قد واعد المسلمين على الحرب عند بدر في العام المقبل، فاستعد المسلمون لهذا اللقاء استعدادًا جيدًا، وخرج المسلمون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الموعد المحدد إلى ماء بدر، بعد أن أدبوا اليهود والأعراب، وأقاموا هناك ينتظرون جيش المشركين.
وخرج أبو سفيان يقود جيش المشركين، ولكنه خاف من مواجهة المسلمين فعاد بجيشه إلى مكة بحجة أن هذا العام لا مطر فيه، وقد أجدبت الأرض، والوقت غير مناسب للحرب، أما المسلمون فظلوا هناك ثمانية أيام، عادوا بعدها إلى المدينة وقد سمعت القبائل بما حدث من انسحاب المشركين.
غزوة دومة الجندل
جاءت أخبار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن القبائل العربية التي تقيم حول دومة الجندل تقطع طريق المارين عليها، وتنهب أموالهم، وأنهم قد احتشدوا لمهاجمة المدينة، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم في ألف من المسلمين إلى دومة الجندل ، وكان يسير بالجيش ليلا فقط حتى يفاجئ أعداءه، ووصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكان الأعداء فجأة، ففرت الجيوش من أمامه، وغنم المسلمون كل ما تركه الأعداء خلفهم، وفر كذلك أهل دومة الجندل ، فأقام الرسول صلى الله عليه وسلم هناك أيامًا يرسل السرايا في كل ناحية، فلم يثبت أمام المسلمين أحد، وبعدها عاد المسلمون إلى المدينة.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:02 pm


غزوة بني المصطلق

كانت العيون تأتي بالأخبار للمسلمين عن العرب جميعًا، يراقبونهم حتى لا يفاجئوهم بحرب أو خيانة، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زعيم بني المصطلق -وهم من اليهود- يجهز قومه للهجوم على المدينة، ولما تأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأنباء جهز جيشه، وغزا بني المصطلق، واتخذهم أسارى وسبايا، وكان في السبي جويرية بنت الحارث -بنت سيد بني المصطلق- فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوجها، ولما انتشر الخبر بين
الناس، قالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقوا مائة أهل بيت من بني المصطلق إكرامًا لمصاهرة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، فكانت أكبر نعمة عليهم إلى جانب نعمة مصاهرة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم.
المنافقون في هذه الغزوة:
ظهرت طبيعة المنافقين في هذه الغزوة، فبينما المسلمون يسقون من بئر تزاحم على الماء جهجاه بن مسعود -غلام عمر بن الخطاب- مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وبرة حليف الخزرج، وتضاربا، وكاد الخلاف يتحول إلى معركة فقد اختلف المهاجرون والأنصار، فهدأهم الرسول صلى الله عليه وسلم فأطاعوه، وانتهى الخلاف، ولكن المنافق عبد الله بن أُبي اتخذ هذه الواقعة فرصة لتقوية الخلاف بين المهاجرين والأنصار، فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
وأراد ابن سلول طرد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من المدينة، وأخذ يحرِّض الناس على المهاجرين، ويأمرهم بعدم التعاون معهم أو الإحسان إليهم حتى يتركوا المدينة ويرحلوا عنها، وسمع زيد بن أرقم كلام عبد الله، وكان زيد غلامًا صغيرًا، فأسرع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما قاله
عبدالله بن أُبي، فغضب عمر -رضي الله عنه- وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقتل هذا المنافق، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كيف يا عمر إذا تحدث الناس إن محمدًا يقتل أصحابه) _[ابن سعد].
وعندما علم أسيد بن حضير بما قاله عبد الله بن أبي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت، هو -والله- الذليل وأنت العزيز، ثم قال : يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون -يعدون- له الخرز (فصوصًا من الجواهر) ليتوجوه، فإنه يرى أنك قد سلبته ملكه.
وعلم عبد الله بن أبي أن زيدًا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما قاله، فأسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلف له كذبًا أنه ما قال شيئًا، ودافع بعض الحاضرين عنه، فقالوا: عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، وإذا بالقرآن ينزل فيفضح المنافق عبد الله بن أُبي ويصدق زيد بن أرقم قال تعالى: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون . يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 7-8].
وكان للمنافق عبد الله بن أبي ابن مؤمن مخلص في إيمانه اسمه عبد الله أيضًا، فلما علم بذلك تبرأ من أبيه، ووقف على أبواب المدينة يرفع سيفه، ويمنع أباه من دخولها، ويقول لأبيه: إن رسول الله هو العزيز وأنت الذليل، ولن تدخل حتى يأذن في دخولك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له ورفض أن يقتل
عبد الله والده، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا).
حادثة الإفك:
بعد غزوة بني المصطلق، وفي طريق العودة، استراح الجيش بعض الوقت، وبعد فترة استعدوا للرحيل، وبدأ الرجال يرحلون، وذهب بعض المسلمين إلى هودج السيدة عائشة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو خباء يوضع على البعير فحملوه على بعيرها، وهم يظنون أنها بداخله، ولكنه كان خاليًا، فقد ذهبت السيدة عائشة -رضي الله عنهما- تبحث عن عقد فقدته، فلما رجعت وجدت المكان خاليا وقد رحل القوم، فجلست وحدها تنتظر، وكان في مؤخرة الجيش الصحابي صفوان بن المعطل -رضي الله عنه- وكان يتأخر ليجمع ما يقع من الجنود، فلما مر بالمكان وجد السيدة عائشة جالسة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون .. ثم أناخ الجمل، وأدار ظهره حتى ركبت السيدة عائشة، وانطلق يقود الجمل حتى لحق بالمسلمين.
ووجد المنافقون فرصتهم الكبيرة في التشنيع على أم المؤمنين والنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشاعوا أن صفوان بن المعطل اعتدى على السيدة عائشة واتهموهما بالفاحشة، وهكذا روَّج المنافق عبدالله بن أُبي وآخرون معه هذا الكلام البذيء، حتى صدقه بعض الناس، وأراد الله تعالى أن يختبر المؤمنين، وأن يعلمهم درسًا عمليًّا في عدم تصديق الشائعات.
فلم ينزل الوحي بهذا الشأن شهرًا كاملا، وظل خلاله الرسول صلى الله عليه وسلم حزينًا، وأبو بكر لا يدري ما يصنع، أما السيدة عائشة فقد عادت مريضة من الغزوة، ولزمت الفراش، ولم تعلم بما يقوله الناس، فلما علمت ظلت تبكي ليل نهار، وعندما اشتد بها المرض استأذنت من الرسول صلى الله عليه وسلم وذهبت إلى بيت أبيها فجاءها الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منها أن تستغفر الله إن كانت فعلت ذنبًا، وإن كانت بريئة فسوف يبرئها الله، فسكتت السيدة عائشة عن البكاء، وقالت: لو قلت لكم إني مذنبة صدقتموني، وإن قلت لكم بريئة لم تصدقوا، والله يعلم أني بريئة، ولا أقول سوى ما قال أبو يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18].
ونزل الوحي يبين أن السيدة عائشة -رضي الله عنها- بريئة من هذه التهمة، قال تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم . لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين . لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم . إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم . ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم . يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم
مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم . إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته وإن الله رءوف رحيم}
[النور: 11-20].
وعادت الفرحة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين جميعًا، وعاقب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين اتهموا السيدة عائشة بالفاحشة، وكانوا يروجون هذا الكلام الكاذب، فأقام عليهم حد القذف ثمانين جلدة، وكان منهم مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وحاجته فأقسم ألا يعطيه درهمًا واحدًا بعد ما قاله في حق ابنته، ولكن الله -تعالى- أراد أن يستمر عطاء أبي بكر، وإحسانه إلى مسطح، فكفَّر أبو بكر عن يمينه، وأعطى ابن خالته ما كان يعطيه.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:10 pm


غزوة الخندق

لما أجلى الرسول صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير، خرج بعض زعمائهم وذهبوا إلى مكة، فدعوا قريشًا إلى حرب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا: سنكون معكم حتى نستأصله ونقضي عليه، وقالوا لهم إن ما أنتم عليه خير من دين محمد، وفيهم نزل قول الله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً . أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا}
[النساء: 51-52].
ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا قبيلة غطفان فدعوهم إلى مثل ما دعوا قريشًا إليه، ولم يزالوا بهم حتى وافقوهم على ذلك ثم التقوا ببني فزارة، وبني مرَّة، واستطاعت قريش واليهود أن يجمعوا جيشًا ضخمًا يبلغ عشرة آلاف مقاتل، واتجهوا إلى المدينة ليقضوا على المسلمين.
ووصلت الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يرسل بعض المسلمين ليعرفوا أخبار الكفار، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين ليتشاوروا في الأمر، فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر خندق حول المدينة ليمنع دخول الكفار إليها، فقد كانوا يفعلون ذلك في بلاد فارس، وسيكون ذلك مفاجأة أمام كفار مكة وحلفائهم؛ لأنهم لا يعرفون هذه الحيل الحربية.
نظر المسلمون إلى مدينتهم، فوجدوها محاطة بالجبال والحصون والدور من كل جانب ما عدا الجانب الشمالي فقط، وهو الذي سيدخل منه الكفار، فحددوا مكان الحفر في ذلك الجانب، وبدأ المسلمون في حفر الخندق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشاركهم العمل، وانتهى المسلمون من حفر الخندق قبل أن تصل إليهم جيوش الكفار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهم، متمثلا ببيت من الشعر لعبد الله بن رواحة يقول:
اللهم إن العيشَ عيشُ الآخرة فاغفر للأنـــصارِ والمهَاجـِــرة
فيجيبه المسلمون بحماس منشدين:
نحن الذيـن بايعوا محمـدًا على الجهـاد مـا بقينا أبـــدا
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل التراب معهم من الخندق حتى أثر في بطنه، فقال بعض أبيات من شعر ابن رواحة -رضي الله عنه:
اللهمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدينَـا ولا تصَدَّقْنا ولا صَلَّينـــــا
فــأنزلنْ سكينةً علينــا وثبِّت الأقدامَ إن لاقيـنــــا
إن الألى قد بَغَوا علينا إذا أرادوا فتنةً أبينا
[متفق عليه].
وأثناء ذلك العمل الصعب نظر الصحابي الجليل جابر بن عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه يربط على بطنه حجرين ليخفف عنه ألم الجوع ويعمل، ويحمل التراب، فأسرع جابر إلى امرأته يسألها: إن كان عندها طعام فذبحت شاة صغيرة عندها، وطحنت كل ما عندها من الشعير، فكان مقدارًا صغيرًا يكفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعض أصحابه، وجاء جابر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يدعوه سرًّا إلى بيته، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو معه المسلمين، فيذهب ألف رجل إلى بيت جابر!! والطعام لا يكفي سوى عدد قليل، فمن أين سيأكل كل هذا العدد؟!
لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة في الطعام، فبارك الله فيه فأكل جميع المسلمين، وبقي طعام كثير لأهل البيت. _[البخاري] وهكذا كان المسلمون يتعبون ويصبرون، وعناية الله تعالى تؤيدهم وتحرسهم، وبينما هم يحفرون وجدوا صخرة شديدة لم يستطع أحد أن يحطمها، فلجئوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فتناول المعول وضرب الصخرة ضربة فكسر ثلثها، وقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني أبصر قصورها الحمر الساعة) ثم ضرب الثانية، فكسر الثلث الآخر، فقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض) ثم ضرب الثالثة وقال: (باسم الله) فقطع بقية الحجر فقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة). _[أحمد وابن جرير].
وقد تحققت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم، ودخل الإسلام هذه
البلاد، واستمر العمل دون تراخٍ أو كسل حتى تحقق الأمل، وانتهى المسلمون من عملهم قبل أن يصل المشركون، واقترب جيش المشركين من المدينة، ووقفوا أمام الخندق متعجبين، وصدموا به، فهذه أول مرة يستعمل فيها العرب مثل هذه الحيل الحربية، وشعروا بالخيبة، فقد انقلبت حساباتهم، وأصبحت أعدادهم الكبيرة لا قيمة لها، وهي تقف أمام الخندق عاجزة حائرة يكاد الغيظ
يفتك بها، وهم يقولون: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
ومن مكان ضيق في الخندق حاول المشركون أن يقتحموه، ولكن سهام المسلمين انهالت عليهم كالسيل، فارتدوا خائبين، وخرج عمرو بن عبد ود من صفوف المشركين وقال: من يبارز؟ وكان عمرو بن عبد ود فارسًا قويا شجاعًا، لا يستطيع أحد أن يقف أمامه أو يبارزه؛ فلم يقف أحد لمبارزته سوى على بن أبي طالب الذي قام وقال: أنا أبارزه يا رسول الله، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم سيفه، وعمَّمَه، ودعا له، ولما شاهده عمرو استصغر سنه، وقال له: لِمَ يابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك.
فرد علي عليه: لكني والله أحب أن أقتلك، فغضب عمرو ونزل عن فرسه، وقتل الفرس، وبارز عليًّا، وظلا يتبارزان، وثار الغبار فلم ير أحد منهما، وضربه على فقتله، وكبَّر، فعلم المسلمون أن عليا قتله، وظل المسلمون والمشركون يتراشقون بالسهام والنبال، فقتل عدد قليل من المشركين، واستشهد بعض
المسلمين.
وحدث أمر خطير للمسلمين لم يضعوه في حسبانهم، ففي جنوب المدينة اتفق يهود بني قريظة مع الكفار أن يفتحوا لهم المدينة من ناحيتهم؛ كي يضربوا ظهور المسلمين ويأسروا نساءهم وأبناءهم، وقد شعر المسلمون بهذه الخيانة، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بعض المسلمين ليتأكدوا من الخبر، ولما تأكدوا من صحته أسرعوا في مجموعات لحماية المدينة من الداخل وحماية الأطفال من غدر اليهود وعدوانهم، وحاولت قريش أن تقتحم الخندق؛ لتنفذ منه إلى قلب
المدينة، فوقف المسلمون لهم بالمرصاد.
وكانت السيدة عائشة تقف مع أم سعد -رضي الله عنهما- فمر عليهما
سعد بن معاذ وعليه درع لا تستر ذراعيه كليهما، وفي يده حربته، فقالت له أمه: الحق يا بني فقد -والله- تأخرت، فقالت السيدة عائشة لها: يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ (أطول) مما هي عليه، ورُمِي سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل (عرق في وسط الذراع) فدفعه إيمانه أن يدعو الله
قائلا: (اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه، وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة) _[متفق عليه].
لقد ارتبك المسلمون من خيانة بني قريظة التي قد تمكن الكفار منهم، وأخذوا ينظرون إلى أنفسهم وقلوبهم متعلقة بالله -تعالى- وقد صور القرآن ذلك الموقف فقال تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا} [_الأحزاب: 10].
وقد أحاط المشركون بالمسلمين، فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية، ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة، فقاتلها المسلمون يومًا إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر، لم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة أن يصلوا العصر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) _[مسلم].
ونظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فوجدهم كثيرين، فأراد أن يخفف الحصار عن المسلمين، فعرض على المسلمين أن يتفق مع قبيلة غطفان على أن يأخذوا ثلث ثمار المدينة؛ وينسحبوا من المعركة، وبعد ذلك يتفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال قريش، واستشار في ذلك الأمر سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وأخبرهما أن ذلك ليس أمرًا من الله تعالى يجب تنفيذه، فقال
سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًي (ضيافة) أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، بعدما وجد من أصحابه الرغبة في الصمود أمام أعدائه مهما كانت قوتهم، والثقة في نصر الله تعالى، وأثبت المسلمون وهم في هذا الموقف الصعب أنهم يستحقون نصر الله لهم، لقد سلموا أمرهم إلى ربهم، وفعلوا كل ما يقدرون عليه، فاستحقوا نصر الله لهم.
إسلام نعيم بن مسعود:
ألقى الله الإيمان في قلب نعيم بن مسعود الغطفاني وكان مع المشركين، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لنعيم: (إنما أنت فينا رجل واحد فَخَذِّل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة) _[ابن إسحاق].
طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من نعيم أن يظل في قومه ويستخدم ذكاءه في صرفهم عن المسلمين، فذهب نعيم إلى يهود بني قريظة، وكان صديقًا لهم في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم.
فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم (ناصرتموهم) عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة (فرصة) أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه
(تقاتلوه). فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم توجه إلى قريش، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا، وإنه قد بلغني أمر رأيت على حقًّا أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عني، فقالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم.
فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدًا، ثم توجه إلى قبيلة غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحبُّ الناس إلي، ولا أراكم تتهمونني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عني. قالوا: نفعل، فما أمرك؟ فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم مما حذرهم. وذهب المشركون يطلبون من اليهود أن يقاتلوا معهم المسلمين، فطلب اليهود عددًا من الرهائن، وهنا تأكد لكل منهم صدق
نعيم بن مسعود في نصحه لهم، فرفض الكفار إعطاء الرهائن، وامتنع اليهود عن الحرب معهم، وهكذا استطاع مسلم واحد بإرادة الله تعالى وتوفيقه أن يشتت شمل الكفار واليهود بعدما كانوا مجتمعين ضد المسلمين.
هزيمة الأحزاب:
ونعود إلى داخل المدينة، فالمسلمون مجتمعون حول نبيهم، يتضرعون إلى
الله -تعالى- أن يذْهِبَ عنهم هؤلاء الأحزاب الذين تجمعوا لهدم دينه، ويقولون: (اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) _[البخاري].
فاستجاب الله تعالى لهم، وإذا بريح شديدة في ليلة شاتية باردة تقتلع خيام المشركين، وتقلب قدور وأواني الطعام والشراب، وكأن الكون كله يحاربهم فامتلأت قلوبهم بالرعب، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلع على أحوال المشركين وأخبارهم، فالتفت إلى المسلمين وقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟) فلم يقم أحد من المسلمين من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد.
فلما لم يقم أحد دعا النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي حذيفة بن اليمان لهذه المهمة، فقام حذيفة طاعة لأمر الله ورسوله حتى دخل معسكر المشركين، وسمع أبا سفيان يدعوهم إلى الرحيل، ويقول لهم: يا معشر قريش، لينظر كل امرئ مَنْ جليسه؟ فأخذ حذيفة بيد الرجل الذي كان إلى جانبه، فقال له: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكُرَاعُ (الخيل)، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي
نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر (آنية طعام) ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، وكان ذلك في شوال من السنة الخامسة للهجرة.
ورجع حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقص عليه ما رأى، وطلع النهار، وارتحلت الأحزاب، وانفك الحصار، وعاد الأمن ونجح المسلمون في الخروج بسلام من هذه المحنة، قال تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا} [_الأحزاب: 25] وهتف رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا إله إلا الله
وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، غلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده) _[البخاري] وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصراف الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) [البخاري].

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:11 pm


غزوة بني قريظة

رحل الكفار بهزيمتهم، وبقي بنو قريظة بخيانتهم للمسلمين، وقبل أن يستريح المسلمون من غزوة الأحزاب، وقبل أن يلتقطوا أنفاسهم، جاء جبريل -عليه السلام- إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال له: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد .. وإن الله -عز وجل- يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد (ذاهب) إليهم فمزلزل بهم. فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم مناديًا ينادي في الناس: (لا يصلِّينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة) _[البخاري].
فأسرع ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين إلى يهود بني قريظة، وحاصروهم في حصونهم، فلم يجد اليهود مفرًّا من المسلمين؛ ولم يجدوا ما يعتذرون به عن خيانتهم التي كادت تهلك المسلمين، لولا توفيق الله لنعيم بن مسعود، وحاصر المسلمون حصون بني قريظة، فملأ الرعب قلوبهم، وطلبوا أبا لبابة بن عبد المنذر لما بينهم وبينه من صلة، يستشيرونه أينزلون على حكم محمد؟! فقال لهم: نعم وأشار إلى حلقه، كأنه ينبههم إلى أنه الذبح، ثم أدرك أنه أفشى سرًّا من أسرار المسلمين، وأنه قد خان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسرع إلى مسجد المدينة، وربط نفسه إلى عمود فيه، وحلف ألا يفك منها حتى يتوب الله عليه فقبل الله توبته؛ وعفا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه.
واستمر الحصار خمسًا وعشرين ليلة، فلما رأى اليهود عزم المسلمين على اقتحام حصن بني قريظة، قالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد سيد الأوس، وهم حلفاء بني قريظة في الجاهلية، وقد توقع اليهود أن هذه الصلة تنفعهم، وتوقع الأوس أيضًا أن زعيمهم سوف يتساهل مع حلفائهم السابقين.
وكان سعد مصابًا في غزوة الخندق، فحملوه راكبًا إلى بني قريظة، وجاء إليه قومه يوصونه بالإحسان إلى بني قريظة، فقال قولته الشهيرة: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، فعلم قومه أنه سيأمر بقتلهم، فنظر سعد إلى اليهود وتذكر خيانتهم للعهد الذي بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعلن حكمه عليهم، بأن يقتل رجالهم، وتسبي نساؤهم وأبناؤهم، وتقسم أموالهم على المسلمين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبع سماوات) _[متفق عليه].
وهكذا كان حب سعد لدينه ونبيه أكبر مما كان بينه وبين اليهود من مودة في الجاهلية، وهكذا انتهت غزوة بني قريظة، ونزل قوله تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا
عزيزًا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطئووها وكان الله على كل شيء قديرًا} [الأحزاب: 25-27].
زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة (زينب بنت جحش):
تبنى الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، وزوجه بنت عمته
زينب بنت جحش، وكان الابن بالتبني له نفس حقوق الابن الأصلي، فله حق الميراث، وزوجته تحرم على أبيه الذي تبناه، فأراد الله أن يمنع تلك العادة، وأن ينسب الابن إلى أبيه، فشاء الله -سبحانه- ألا تستمر الحياة الزوجية بين زيد والسيدة زينب -رضي الله عنهما- فوقعت بينهما جفوة وشقاق، وكلما هم زيد بتطليقها نهاه صلى الله عليه وسلم، وقال له: أمسك عليك زوجك.
ثم طلقها زيد، ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج السيدة
زينب -رضي الله عنها- وبذلك بطلت عادة التبني، وما كان ينتج عنها من أمور تخالف الدين، قال تعالى: {إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً . ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا . الذين يبلغون رسالات ربهم ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله وكفي بالله حسيبًا . ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً} [الأحزاب: 37-40].

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:12 pm


سرية نجد

في شهر المحرم من العام السادس الهجري خرجت سرية من المسلمين إلى
بني بكر، فهرب بنو بكر خوفًا من المسلمين، وتركوا أنعامهم وإبلهم، فأخذها المسلمون، وبينما المسلمون عائدون وجدوا أمامهم ثمامة بن أثال، ولم يكن قد أسلم بعد، فقبض عليه المسلمون، وعندما وصلوا المدينة ربطوه في أحد أعمدة المسجد، وعندما رأى ثمامة الرسول صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يطلقه مقابل ما يريد من المال، وقال له: إن تقتل تقتل ذا دم (أي: رجلا له مكانة في قومه وسوف يثأرون له) وإن تنعم تنعم على شاكر (أي رجل يعرف لك جميلك ويكافئك عليه).
فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأطلق سراحه، فانصرف ثمامة، ولكنه عاد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، وذهب ثمامة إلى مكة، فلما عرفوا أنه قد أسلم قالوا له: صبوت
(أي: فارقت دينك)؟ قال: لا والله .. ولكن أسلمت مع محمد رسول الله
صلى الله عليه وسلم، والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة (قمح) حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
ومرت الأيام، وأحاط الجوع بقريش، واحتاجت إلى القمح، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يأمر ثمامة بإرسال القمح إلى قريش، ورغم أن قريشًا حاصرت الرسول وقومه في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، وأذاقوهم عذاب الجوع، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قابل الإساءة بالإحسان ورفض تعريض قريش للجوع، وأمر ثمامة أن يبيع لهم القمح.
غزوة بني لحيان
لكي لا يتجرأ الكفار على المسلمين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان يريد بني لحيان، وقد أظهر أنه متوجه إلى الشام؛ ليفاجئ القوم ولينتقم من الذين غدروا بأصحابه يوم الرجيع، فلما سمعت هذه القبائل الغادرة بمقدمه هربت إلى الجبال، ومكث المسلمون يومين، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض فرسانه قريبًا من مكة؛ لتسمع بهم قريش، وليعلموا بما حدث فيزدادوا خوفًا ورعبًا من المسلمين، ثم عاد المسلمون إلى المدينة.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:13 pm

صلح الحديبية

في العام السادس من الهجرة، وفي شهر ذي الحجة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة متوجهًا إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، وخرج معه المهاجرون والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وليس معهم من السلاح إلا السيوف، وقد ساقوا معهم الهدي (الذبائح)؛ ليظهروا حسن نيتهم ويُعْلِموا أهل مكة أنهم جاءوا حاجين إلى البيت وزائرين له، ولم يأتوا لحرب أو قتال، بل لأداء العمرة.
ووصل الخبر بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فإذا بقريش تفور من الغضب والغيظ، فكيف يتجرأ المسلمون على المجيء إليهم، ودخول مكة بهذه السهولة؟! فلا بد من صدِّهم ومنعهم من دخولها، وتعاهدوا على ألا يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم والذين معه، وخرجت خيلهم يقودها خالد بن الوليد؛ لمنع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخول مكة.
وتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقوف قريش في وجه من قصد زيارة الكعبة، فقال: (أشيروا علي أيها الناس) فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال صلى الله عليه وسلم: (امضوا على اسم الله) وعقد العزم على الجهاد، ولكنه لم يرد الصدام مع قريش، فقال صلى الله عليه وسلم: (من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها) فقال رجل: أنا
يا رسول الله. فسلك بالمسلمين طريقًا غير الذي خرجت إليه جيوش المشركين._[ابن إسحاق].
وبينما رَكْبُ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يسير بأمر الله تعالى بركت الناقة التي يركبها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكان قريب من مكة يسمى الحديبية، فقال الصحابة: خلأت القصواء (اسم ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم) خلأت القصواء .. فقال صلى الله عليه وسلم: (ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، لكن حبسها حابس الفيل) _[البخاري] وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى لا يريد له دخول مكة، ولا الصدام مع قريش في ذلك الوقت، فقرر التفاوض مع قريش في شأن دخول المسلمين مكة لزيارة البيت الحرام، وقال: (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) _[ابن إسحاق].
وعند بئر الحديبية تجمع المسلمون حول النبي صلى الله عليه وسلم وقد أصابهم العطش، فماء البئر قليل لا يكفيهم، فشكوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فجلس صلى الله عليه وسلم على حافة البئر، وتوضأ، ثم صبَّ الماء في البئر، فكثر الماء وظلوا يشربون وتشرب إبلهم حتى تركوا الحديبية ورحلوا. _[البخاري].
أما قريش فقد أصابهم الفزع بعدما تأكدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم عازم على دخول مكة، فأرسلوا إليه رسلا يستوضحون الأمر، وكان أول الرسل بديل بن ورقاء الخزاعي، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين .. يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن
قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (يقصد: الموت)) _[ابن إسحاق].
وكان آخر الرسل عروة بن مسعود الثقفي عم الصحابي المغيرة ابن شعبة، وإذا به يقف مبهورًا من طاعة المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتماسكهم وقوة إيمانهم، فعاد إلى قومه يقول لهم: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله ما تَنخَّم (بصق) نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلَّك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وما يحدُّون النظر إليه تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ليشرح لقريش ما يريده المسلمون، وإذا بالمشركين يعرضون على عثمان أن يطوف وحده بالبيت، ولكنه رفض أن يطوف وحده دون المسلمين، فاحتبسته قريش عندها، فلما طالت غيبته ظن المسلمون أن الكفار قتلوه، فاجتمعوا حول نبيهم صلى الله عليه وسلم وبايعوه على القتال حتى الاستشهاد في سبيل الله، وفيهم نزل قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا} [الفتح: 18]
شروط الصلح:
وعلمت قريش بهذه النية، فخافت وأطلقت عثمان على الفور، وأرسلت
سهيل بن عمرو، وكان رجلا فصيحًا عاقلا يجيد التفاوض، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فلما جاء سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلما طويلا ثم جري بينهما
الصلح، فاتفق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على:
- أن يرجع المسلمون هذا العام ويعودوا في العام القادم.
-وأن تتوقف الحرب بينهما لمدة عشر سنوات.
-وأن من أراد أن يتحالف مع المسلمين فله ذلك، ومن أراد التحالف مع قريش فله ذلك.
-وأن يرد الرسول صلى الله عليه وسلم من جاء إليه من قريش دون
إذن وليه، ولا ترد قريش من يأتيها من المسلمين.
وعند سماع عمر بهذه الشروط أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلي. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلي. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. _[متفق عليه].
ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال له اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم. فكتبها، ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل : لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال صلى الله عليه وسلم: اكتب. هذا ما صالح عليه محمدُ بن عبدالله، سهيلَ بن عمرو. فرفض على أن يمحو كلمة رسول الله بعد ما كتبها، فمحاها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه. _[متفق عليه].
وبهذا الصلح دخلت قبيلة خزاعة في عهد المسلمين ودخلت قبيلة بني بكر في عهد المشركين، وقبل أن يوقع الرسول صلى الله عليه وسلم على كتاب الصلح إذا بأبي جندل بن سهيل بن عمرو يأتي مسلمًا، فلما رآه أبوه سهيل؛ قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بثيابه، ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية (أي حسمت) بيني وبينك قبل أن يأتي هذا. قال: صدقت.
فأخذ سهيل يجر ابنه ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم
على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم) _[ابن إسحاق] وغضب المسلمون من هذا الصلح، فقد بَدَت الشروط في أعينهم ظالمة، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يُضَيِّعني) [البخاري].
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتابة المعاهدة، قال للمسلمين: (قوموا، فانحروا) وقالها ثلاثًا، فلم يقم أحد، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم، ودخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك. فقام الرسول صلى الله عليه وسلم وخرج فلم يكلم أحدًا حتى نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا إبلهم، وجعل بعضهم يحلق لبعض. [أحمد].
ولكن هل التزم المسلمون والمشركون بشروط هذه المعاهدة؟ لقد ضاق المسلمون المعذبون في مكة بمقامهم بعيدًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة، ففر منهم أبو بصير عبيد الله بن أسيد، وهاجر إلى المدينة يبغي المقام فيها مع المسلمين، فأرسلت قريش وراءه اثنين من رجالها، ليعودا به إليها تنفيذًا لشروط الصلح، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، فانطلق إلى قومك) _[ابن إسحاق].
وحزن أبو بصير وقال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين ليفتنوني في ديني؟ فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم عن تكرار رجائه في الفرج القريب، ثم أرسل أبا بصير مع القرشيين ليعودوا جميعًا إلى مكة، فاحتال أبو بصير أثناء الطريق على سيف أحد الحارسين وقتله به، ففر الآخر مذعورًا، ورجع إلى المدينة يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع من أبي بصير، وإذا بأبي بصير يطلع شاهرًا السيف يقول: يا رسول الله، وفت ذمتك وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن أو يعبث بي، فقال صلى الله عليه وسلم: (ويل أمه (كلمة مدح) مُسَعِّرُ حرب (أي مشعل حرب) لو كان معه رجال) _[أحمد].
وأدرك أبو بصير أنه لا مقام له في المدينة، ولا مأمن له في مكة، فانطلق إلى ساحل البحر في ناحية تدعي (العيص) وشرع يهدد قوافل قريش بطريق الساحل وسمع المسلمون بمكة عن مقامه، فتلاحقوا به حتى اجتمع إليه نحو سبعين ثائرًا كان منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وكونوا جيشًا ضَيقَ على قريش فلا يظفر بأحد إلا قتله، ولا تمر بهم قافلة إلا اقتطعوها، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده أن يؤوي إليه هؤلاء فلا حاجة لها بهم.
وبذلك نزلت قريش عن الشرط الذي أملته تعنتًا وقبله المسلمون كارهين، وهذا هو أول الفتح على المسلمين، فقد تأكد لهم بعد ذلك أن المعاهدة كانت لصالحهم، وأنها أتاحت لهم فرصة لنشر دينهم بعيدًا عن الانشغال بالحرب مع قريش.
إسلام أبي العاص بن الربيع:
وعندما كان أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما في المكان الذي اجتمعوا فيه عند ساحل البحر، مرت بهم قافلة تجارية لقريش بقيادة أبي العاص بن الربيع زوج السيدة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت قد فارقته؛ لأنه كان مشركًا، وهاجرت وحدها إلى المدينة.
فهاجم أبو جندل ومن معه القافلة وأسروهم وأخذوا ما معهم من أموال، ولم يقتلوا منهم أحدًا إكرامًا لأبي العاص، وأخلوا سبيله، فقدم أبوالعاص المدينة واستجار بزينب، فكلمت زينب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب قائلا: (إنا صاهرنا أناسا، وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصهر وجدناه، وإنه أقبل من الشام في أصحاب له
من قريش، فأخذهم أبو جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا، وإن زينب بنت رسول الله سألتني أن أجيرهم، فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟) فقال الناس: نعم. فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول الرسول صلى الله عليه وسلم أطلقوا من كان عندهم من أصحاب أبي العاص وردوا إليهم أموالهم.
ثم خرج أبو العاص حتى قدم مكة، فأدى إلى الناس بضائعهم، ثم أعلن
إسلامه، وعاد أبو العاص إلى المدينة مسلمًا، فرد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم زوجته زينب -رضي الله عنها

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:14 pm


غزوة خيبر

لم يهدأ يهود خيبر عن الكيد ضد الإسلام، فكوَّنوا جبهة معادية للمسلمين، واستمالوا قبيلة غطفان والأعراب المجاورين لهم في شمال المدينة، فخرج النبي ( على رأس جيش لتأديبهم والقضاء على خطرهم. وكانت تلك الموقعة الرابعة بين المسلمين واليهود، فالأولى كانت مع يهود بني قينقاع، والثانية مع بني النضير، والثالثة مع بني قريظة.
وبينما كان المسلمون يسيرون في الطريق إلى خيبر، أخذ عامر ابن الأكوع ينشد ويقول:
اللهمَّ لولا الله ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداءً لك ما اقتفينا
وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقينا
وألَقينْ سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أَتينا
وبالصَّباح عَوَّلوا علينا
فقال رسول الله (: "من هذا السائق؟" قالوا: عامر بن الأكوع. قال: يرحمه الله. [متفق عليه].
وأراد الرسول ( أن يقسم جبهة الأعداء المؤلفة من اليهود وغطفان، فأوهم غطفان أن الهجوم متجه إليها، فرجعوا إلى ديارهم بعد أن خرجوا لينضموا إلى اليهود في خيبر. وهكذا نجحت خطة النبي ( في عزل اليهود عن حلفائهم المشركين.
فلما أشرف رسول الله ( على خيبر قال لأصحابه: فقوا. ثم تضرع إلى الله بهذا الدعاء: "اللهمَّ رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها".
ووصل المسلمون إلى حدود خيبر ليلاً، فمنعهم إيمانهم من أن يهاجموا أعداءهم فجأة بليل فانتظروا حتى الصباح، وفي الصباح خرج اليهود إلى مزارعهم، ففوجئوا بالمسلمين يحيطون ببلدهم، فأسرعوا إلى حصونهم وهم يصرخون: محمد والله، محمد والخميس (الجيش). فقال رسول الله (: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" [متفق عليه].
وشنَّ المسلمون هجومًا قويًّا على حصون خيبر المشيدة، فسقطت في أيديهم حصنًا بعد حصن، حتى لم يبق منها غير حصون قليلة قوية اعتصم بها اليهود، وصعب فتحها على المسلمين، فقال رسول الله (: "لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله".
فبات الناس يتساءلون: أيُّهم يُعطاها؟ فلما أصبحوا تطلعوا إلى أخذها. فقال النبي (: "أين علي بن أبي طالب؟" فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه".
فأتي به، فبصق رسولُ الله ( في عيني علي ودعا له، فشفي حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال (: "انفذ إليهم حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعم" [متفق عليه]. ثم خرج عليٌ فقاتل، فكان الفتح على يديه ولم يبق إلا حصنان، ظل المسلمون يحاصرونهما، حتى أيقن من فيهما بالهلاك، فطلبوا أن يخرجوا ويتركوا الأموال مقابل أن يتركهم المسلمون، فوافقهم الرسول ( على ذلك.
ثم سألوا رسول الله ( أن يبقى خيبر تحت أيديهم يعملون فيها ويزرعون؛ لأنهم أعرف بأراضيهم ولهم نصف ما يخرج منها، فصالحهم رسول الله ( على ذلك، وقال لهم: "على أنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم" [متفق عليه].فأقروا بذلك.
وبعد أن صالحهم رسول الله (، أهدت إليه امرأة منهم شاة مشوية وكانت قد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله (؟ فقيل لها: الذراع. فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة وجاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ( تناول الذراع، فأوحى الله -عز وجل- إليه بأنها مسمومة.
فجمع النبي ( اليهود فقال لهم: "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟" فقالوا: نعم. قال لهم النبي (: "من أبوكم؟". قالوا: فلان. فقال:"كذبتم، بل أبوكم فلان". قالوا: صدقت. قال: "فهل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألت عنه؟" فقالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟" قالوا: نعم. قال: "ما حملكم على ذلك"؟ قالوا: إن كنت كاذبًا تستريح، وإن كنت نبيًّا لم يضُرَّك. [البخاري].
زواج الرسول ( من السيدة صفية بنت حيي:
وتزوج الرسول ( في هذه الغزوة السيدة صفية بنت حيى بن أخطب زعيم اليهود، وكانت من الأسرى فأعتقها رسول الله ( بعد أن أسلمت، وتزوجها وجعل مهرها عتقها.
يهود فدك:
وبعد أن انتصر المسلمون على اليهود في خيبر، بقي يهود فدك وتيماء ووادي القرى، أما يهود فدك فقد أرسل إليهم الرسول ( يدعوهم إلى الإسلام، وعندما علموا بهزائم إخوانهم في خيبر صالحوا الرسول ( على ما صالحه عليه أهل خيبر.
يهود وادي القرى:
انطلق المسلمون إلى يهود وادي القرى، فتتابعت عليهم السهام من حصون اليهود. فأصيب خادم الرسول بسهم فقتله، فقال المسلمون: هنيئًا له الجنة. فقال الرسول ( لهم: "بلى، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا" [متفق عليه]. فقد سرق ذلك الخادم قطعة قماش من مغانم خيبر، وسوف يُعذَّب بها في قبره.
وبدأ المسلمون يرتبون صفوفهم ويقفون أمام الحصون، وإذا برجل من اليهود يخرج لمبارزة المسلمين، فانطلق إليه الزبير بن العوام -رضي الله عنه- فقتله فتتابع بعده اليهود وكلما خرج يهودي قتله مسلم بتوفيق الله، ثم ما لبثوا أن استسلموا، فصالحهم المسلمون على صلح مثل صلح خيبر.
يهود تيماء:
فزع يهود تيماء من هزائم اليهود المتتالية في فدك، وخيبر، ووادي القرى، فعرضوا على المسلمين الصلح دون أية مقاومة، فصالحهم الرسول ( كصلح أهل خيبر، وأخذ منهم الجزية وتركهم في أرضهم وأموالهم. وبذلك أمن الرسول ( جانب اليهود وتفرغ لنشر دين ربه الذي أمره به.
عودة المهاجرين من الحبشة:
بعد خمسة عشر عامًا من الغربة والفراق الطويل في بلاد الحبشة، والبعد عن رسول الله (، قدم جعفر بن أبي طالب ومن كان معه في الحبشة إلى المدينة في العام السابع الهجري، فامتلأت قلوبهم بالسعادة حينما رأوا كثرة المسلمين، ونصر الرسول ( على أعدائه، وكانت سعادة النبي ( غامرة حين رآهم واطمأن عليهم، وقيل: إن الرسول ( من فرط سروره قال: "والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر" [الحاكم والطبراني]. مما يدل على أنه فرح فرحًا شديدًا بعودة المسلمين من الحبشة.
وكان من ضمن المهاجرين القادمين من الحبشة الأشعريون الذين ينتسب إليهم الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري هو وبعض قومه يريدون الرسول ( في المدينة، وركبوا سفينة من اليمن، لكن الرياح ألقت بهم نحو الحبشة، وهناك التقوا بجعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين، وكأن الله تعالى أرسل إليهم هؤلاء الناس ليكونوا أُنسًا لهم في غربتهم فأقاموا هناك، حتى عادوا سويًّا وانضموا إلى صفوف المسلمين في المدينة.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:15 pm


غزوة ذات الرقاع

ما زال الكفار يهددون المسلمين، ويشكلون خطرًا عليهم، فهذه قبائل غطفان تتجمع للهجوم على المدينة، فكان لابد من الخروج إليهم وردعهم قبل أن يهاجموا المسلمين.
فخرج المسلمون في شهر ربيع الأول من العام السابع من الهجرة، وهم لا يبالون بالتعب، يتبادل كل ستة منهم ركوب بعير واحد، ويسيرون في الجبال، وفوق الصخور، حتى أصيبت أقدامهم وسقطت أظافرهم، فأخذوا يلفون أرجلهم بالخرق والرقاع (القماش القديم)، فسميت هذه الغزوة باسم ذات الرقاع، وتسمى أيضًا بغزة نجد.
فلما علمت قبائل غطفان بقدوم المسلمين هربت، فلم يقع قتال، وعاد المسلمون منتصرين. وفي طريق العودة اشتد الحر عليهم، وجاء وقت القيلولة فنزلوا في وادْ كثير الأشجار، وتفرق المسلمون يستظلون فيه.
وقد نام الرسول ( تحت شجرة وعلق سيفه بها، فإذا بأعرابي كافر يأتي فيأخذ السيف، فشعر به الرسول، واستيقظ من نومه، فقال الأعرابي: من يمنعك مني؟ فقال رسول الله (: "الله". وإذا بالأعرابي يرتعد ويسقط السيف من يده، فأخذه النبي ( ثم عفا عن الأعرابي وتركه. [متفق عليه].

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:16 pm


عمرة القضاء

في العام السابع الهجري، أصبح للمسلمين الحق في دخول مكة للعمرة حسب اتفاقهم مع قريش في العام السابق، فخرج رسول الله ( ومعه ألفان من المسلمين ودخلوا مكة حاملين سيوفهم، وأخذوا يطوفون حول الكعبة في عزٍّ وقوة، حتى قال أهل مكة من الكفار، وهم ينظرون في دهشة إلى المسلمين وقوتهم: هؤلاء هم الذين قلتم: إن حُمَّى المدينة أضعفتهم! [أحمد]
وقضى المسلمون عمرتهم ثم خرجوا من مكة بعد ثلاثة أيام احترامًا للاتفاق الذي عقدوه في صلح الحديبية مع كفار قريش، وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء؛ لأن المشركين صدوا رسول الله ( عام الحديبية عن البيت الحرام، فكان مجيئه في العام التالي لقضاء ما فاته.
وبينما الرسول ( وحوله أصحابه عائدون،إذا بفتاة تخرج من مكة، تجري خلفهم وتنادي رسول الله ( قائلة: يا عم. يا عم.
إنها ابنة حمزة سيد الشهداء الذي استشهد في أحد، فأخذها علي بن أبي طالب، وسلمها إلى السيدة فاطمة زوجته، وإذا بزيد بن حارثة وجعفر يتنافسان على أيهما أحق بكفالتها.
فقال جعفر: ابنة عمي وخالتها زوجتي. وقال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي.
وقال زيد: ابنة أخي؛ لأن النبي ( قد آخى بين زيد وحمزة. فحكم النبي ( بأن تكون مع جعفر وزوجته. وقال: "الخالة بمنزلة الأم" [البخاري].
وفي هذه العمرة تزوج الرسول ( من السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية
-رضي الله عنه-.
إسلام عمرو بن العاص:
أمام انتصارات الإسلام المتتالية، وازدياد قوة المسلمين يومًا بعد يوم، وقف عمرو بن العاص مع نفسه، فهداه تفكيره إلى أن يرحل إلى الحبشة ويراقب من هناك صراع الإسلام مع المشركين من قريش، فإذا انتصر المسلمون كان آمنًا، وإذا انتصر الكفار عاد إليهم.
وبينما عمرو بن العاص يستعد للدخول إلى النجاشي ملك الحبشة إذا به يرى عمرو بن أمية الضمري -رضي الله عنه- خارجًا من عنده، فلما دخل عمرو على النجاشي قال له: أيها الملك إن قد رأيت رجلاً يخرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا.
فغضب النجاشي، ولطم أنفه بضربة شديدة، حتى ظن عمرو أن أنف النجاشي قد كسرت، وارتعد عمرو من الخوف، لكنه تماسك وقال للنجاشي: أيها الملك! والله، لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى فتقتله؟ فقال عمرو: أيها الملك، أكذاك هو؟ فقال النجاشي: ويحك يا عمرو! أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده.
فقال عمرو: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم.
فبسط عمرو يده، فبايعه على الإسلام. فلما قدم عمرو المدينة ذهب إلى رسول الله ( ليبايعه وقال لرسول الله (: يا رسول الله إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر. فقال رسول الله (: "يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجُبُّ (يهدم) ما كان قبله، وإن الهجرة تَجُبُّ ما كان قبلها"[ابن إسحاق] فأسلم عمرو، وكان إسلامه في العام الثامن الهجري.
إسلام خالد بن الوليد:
وقف خالد بن الوليد بعد صلح الحديبية حائرًا، فقد فَطن إلى أن النصر سيكون للمسلمين على قريش، وبدأ يفكر في مكان يذهب إليه.
وعندما وصل المسلمون مكة في عمرة القضاء، ومعهم الوليد بن الوليد أخو خالد، ظل الوليد يبحث عن أخيه خالد، فلما لم يجده ترك له رسالة، قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك! ومثلُ الإسلام جهله أحد؟! وقد سألني رسول الله ( عنك فقال: "أين خالد؟" فقلت: يأتي الله به. فقال: "مثله جهل الإسلام! ولو كان جعل نكايته وجدَّه مع المسلمين على المشركين، لكان خيرًا له، ولقدَّمناه على غيره". فاستدرك يا أخي ما فاتك من مواطن صالحة. قرأ خالد هذه الكلمات الصادقة، فانشرح صدره للإسلام وتوجه إلى رسول الله (.
وفي الطريق، التقى بعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة فتوجهوا معًا إلى المدينة وقد جمع الإسلام بين قلوبهم، فلما رآهم الرسول ( أشرق وجهه بابتسامة عذبة، وبايعهم على الإسلام.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:17 pm


غزوة مؤتة

في العام الثامن الهجري، أرسل رسول الله ( الحارث بن عمير الأزدي
-رضي الله عنه- إلى أمير بُصرى؛ ليدعوه وقومه إلى الإسلام، فطغى أمير بصرى وأتباعه، وقتلوا هذا الصحابي الجليل، فغضب رسول الله ( والمسلمون من هذا الغدر وهذه الخيانة، وجهز جيشًا من ثلاثة آلاف جندي؛ لتأديب هؤلاء القوم، وجعل رسول الله ( زيد بن حارثة قائدًا على الجيش، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة. [البخاري]
وانطلق الجيش حتى بلغ الشام، وفوجئ المسلمون بأن جيش الروم يبلغ مائتي ألف مقاتل، فكيف يواجهونه بثلاثة آلاف مقاتل لا غير؟
وقف عبد الله بن رواحة الأسد، يشجع الناس ويقول لهم: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون.. الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور (نصر) وإما شهادة.
فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس، وقد امتلأت قلوبهم ثقة بالله -سبحانه-.
ورغم هذا الفارق الكبير في العدد، حيث إنَّ كل مسلم منهم يواجه وحده حوالي سبعين مشركاً، فقد دخلوا في معركة حامية وهم مشتاقون إلى الشهادة، والموت في سبيل الله.
والتقى الجيشان، وقاد زيد بن حارثة جيش المسلمين، وهو يحمل راية رسول الله ( حتى استشهد -رضي الله عنه-، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب، واشتدت المعركة، فنزل جعفر عن فرسه وعقرها (قطع أرجلها) حتى لا يأخذها أحد الكفار فيحارب عليها المسلمين، وحمل جعفر الراية بيمينه فقطعت، فأخذها بشماله فقطعت، فاحتضنها بعضديه حتى استشهد -رضي الله عنه-، فحمل الراية عبد الله بن رواحة، ووجد في نفسه بعض التردد، فحث نفسه على الجهاد بقوله:
أقسمت يا نفسُ لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكريهن الجنة
وقاتل حتى استشهد في سبيل الله.
عندئذ كان لابد من أن يبحث المسلمون عن قائد يدير المعركة بعد استشهاد القادة الثلاثة، فاتفق الناس على خالد بن الوليد.
فقاد خالد -رضي الله عنه- أولى تجاربه العسكرية التي يخوضها بعد إسلامه. فوجد الفرق كبيرًا بين عدد المشركين وعدد المسلمين، ولابد أمامه من الحيلة حتى لا يفنى المسلمون جميعهم، ويحافظ على جيشه سليمًا، فكان يقاتل الأعداء كأسد جسور، وكلَّما انكسر في يده سيف أخذ سيفًا آخر، حتى انكسرت في يده تسعة أسياف.
وعندما جاء الليل وتوقف القتال، أخذ خالد يعيد ترتيب جيش، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والمقدمة مؤخرة.
وفي الصباح نظر الروم إلى المسلمين، فوجدوا الوجوه غير وجوه الأمس، فظنوا أن المسلمين قد جاءهم مدد، فخافوا وارتعدوا، وفرُّوا خائفين رغم كثرتهم، فلم يتبعهم المسلمون، لكنهم عادوا إلى المدينة.
فقابلهم الصبية وهم يرمون التراب في وجوههم؛ لأنهم تركوا الميدان ورجعوا، وكان يعيرونهم قائلين: يا فُرَّار، أفررتم في سبيل الله؟
ولكن رسول الله ( كان يعلم المأزق الذي كان فيه جيشه فقال لهم: "ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله" [ابن سعد].
وأطلق على خالد بن الوليد في هذه المعركة سيف الله المسلول، تقديرًا لذكائه وحسن تصرفه الذي أنقذ به المسلمين من الهلاك المحقق.
سرية ذات السلاسل:
رأينا شجاعة خالد بن الوليد وعبقريته في غزوة مؤتة، وها هو ذا عمرو بن العاص يخرج على رأس جيش من المسلمين في جمادى الآخرة من العام الثامن الهجري؛ لتأديب القبائل الموالية للروم قرب بلاد الشام، وهناك بجوار ماء يسمى (السلاسل) أقام المسلمون ينتظرون المدد من رسول الله (، وإذا بجيش كبير يقبل عليهم فيه أبو بكر وعمر ويقوده أبو عبيدة بن الجراح الذي أوصاه رسول الله ( بعدم الخلاف مع عمرو بن العاص.
ولما جاء وقت الصلاة أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فمنعه عمرو، وقال: إنما قدمت على مددًا وأنا الأمير. فأطاع له أبو عبيدة حتى لا يكون سببًا في الفرقة بين المسلمين.
وانطلق المسلمون خلف قائدهم تحت راية الإسلام، يطاردون القبائل التي تشكل تهديدًا للمسلمين، ففروا منهزمين أمامهم. وقد أظهرت هذه المعارك كفاءة عمرو الحربية، وأدخلت الرعب في نفوس الأعداء.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:18 pm

فتح مكة

بعد أن تم عقد صلح الحديبية بين المسلمين والمشركين من قريش، دخلت قبيلة خزاعة في حلف المسلمين، ودخل بنو بكر في حلف قريش، وحدث أن اعتدى بنو بكر على خزاعة، وإذا بقريش تساعدهم، وترسل لهم السلاح، وبذلك خانت قريش عهدها مع رسول الله (.
وأقبل عمرو بن سالم الخزاعي يشكو لرسول الله ( الغدر والخيانة، فوعده الرسول ( بالانتصار لهم. وفي مكة ندم الكفار على خيانتهم للعهد، وشعروا بفداحة جُرمهم، وأدركوا أنهم أصبحوا مهددين، فذهب أبو سفيان إلى المدينة ليقابل رسول الله ( ويعتذر ويؤكد المعاهدة بين قريش والمسلمين.
أخذ أبو سفيان يبحث عمن يتوسل به إلى رسول الله (، فذهب إلى ابنته أم حبيبة، زوجة رسول الله (، لتشفع له عند رسول الله (، فلما همَّ بالجلوس، رفعت السيدة أم حبيبة الفراش من أمامه حتى لا يجلس عليه، وقالت له: أنت رجل مشرك نجس، ولا أحب أن تجلس على فراش رسول الله (. [ابن إسحاق]
ثم خرج أبو سفيان فكلَّم رسول الله ( فلم يرد عليه، وذهب إلى أبي بكر ليكلم له رسول الله ( فرفض أبو بكر، فذهب أبو سفيان إلى عمر بن الخطاب فرد عليه عمر ردًّا غليظًا، فلجأ إلى عليّ بن أبي طالب، فنصحه عليٌّ بأن يعود إلى مكة من حيث جاء، فرجع أبو سفيان إلى مكة خائبًا، وظل المشركون ينتظرون قدوم المسلمين إليهم في رعب وخوف وقلق.
وبدأ النبي ( يستعد للسير إلى مكة، ولم يُعلم الناس بمقصده، وقال: "اللهمَّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلدها" [ابن إسحاق].
وكان حاطب بن أبي بلتعة قد كتب إلى قريش يخبرهم بقدوم النبي (، وأعطى الكتاب لامرأة لكي تبلغه إلى قريش، فجاء النبي ( خبر من السماء يعلمه بما فعل حاطب.
فأرسل الرسول ( علي بن أبي طالب والزبير بن العوام في طلب المرأة، فلحقا بها، وقالا لها: أخرجي الكتاب. فقالت ما معي كتاب. فقالا لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من شعرها، فأتيا به رسول الله (، فقال: "يا حاطب، ما حملك على هذا؟" فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرتُ ولا بدلتُ، ولكني كنتُ امرءًا ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان ليبين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم (ليكون لي جميل عندهم).
وأراد عمر بن الخطاب أن يقتل حاطبًا، فقال له رسول الله (: "وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال اعلموا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم" [متفق عليه].
وزلت الآيات الأولى من سورة الممتحنة في ذلك، فقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) [الممتحنة].
وفي العاشر من رمضان في السنة الثامنة للهجرة، خرج الرسول ( ومعه المسلمون يملئون الصحراء، في عشرة آلاف مقاتل متجهين إلى مكة.
ومن مكة، خرج أبو سفيان ومعه بديل بن ورقاء وحكيم بن حزام؛ ليتجسسوا على المسلمين، ولم يكونوا على علم بقدوم الرسول ( إليهم. وفي جوف الليل، رأوا النيران المشتعلة تملأ الصحراء.. يا للعجب! ما كل هذه النيران؟ فقال أحدهم: هذه خزاعة. فقال أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وسمع العباس عم النبي ( -وكان قد أسلم- صوت أبي سفيان في جوف الليل، فناداه وأخبره أنها نيران المسلمين، ووقف أبو سفيان مندهشًا ينظر إلى جنود المسلمين ويسأل نفسه: ما كل هذه الجنود؟ وكيف تجمعوا حول محمد؟ كيف صار بهذه القوة بعد أن خرج من مكة ضعيفًا لا حول له ولا قوة؟!
وفي انبهار أخذ العباس وأبو سفيان يشاهدان قوة جيش المسلمين، فقال
أبو سفيان للعباس: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة.
وتوجه أبو سفيان مع العباس إلى رسول الله (، فلما رآه الرسول ( قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟". قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننتُ أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد.
فقال رسول الله (: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟" قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا.
فقال العباس: ويحك، أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك. فشهد أبو سفيان شهادة الحق وأسلم. [ابن إسحاق].
وعندما دخل الرسول ( والمسلمون مكة أراد أن يكرم أبا سفيان، فقد كان رجلاً يحب الفخر، فقال الرسول (: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".
وعفا الرسول ( عن أهل مكة الذي آذوه وطردوه هو أصحابه، وبإسلامه سوف يسلم كثير من أهل مكة دون قتال وإراقة دماء، فانطلق أبو سفيان إلى قومه ونادى فيهم بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وأسرع الناس إلى بيوتهم يختبئون، وامتلأت شوارع مكة بالمسلمين دون قتال سوى اشتباك قليل بين خالد بن الوليد وبعض الكفار في جنوب مكة.
وفي لحظة واحدة تغيَّر الحال، فدخل الرسول ( الكعبة، وظهرها من الأصنام بعد أن كانت من قبل مليئة بها، وهدَّم الرسول والمسلمون ثلاثمائة وستين صنمًا كانت حولها، والرسول ( يقرأ قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) [الإسراء: 81]، (وقل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) [سبأ: 49].
وانطلق صوت بلال بن رباح يدوي في الآفاق ويؤذن للصلاة فوق البيت العتيق، فاطمأن الناس على أنفسهم وبدأوا يخرجون من بيوتهم، ويقبلون على رسول الله (، فوقف على باب الكعبة، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
ثم قال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟" قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم. فنظر إليهم الرسول ( نظرة كلها عفو ورحمة، وقال: "لا أقول لكم إلا كما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين). اذهبوا فأنتم الطلقاء". [ابن إسحاق وابن سعد]
وأقام الرسول ( في مكة تسعة عشر يومًا يعلِّم الناس أركان الإسلام، ويرسل القادة والفرسان لهدم أصنام القبائل المجاورة.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:19 pm

غزوة حنين

تجمعت قبائل هوازن وثقيف التي تسكن قريبًا من مكة في أعداد كثيرة؛ يريدون قتال المسلمين، وكان قائدهم مالك بن عوف قد أمرهم بحمل أموالهم وأبنائهم ونسائهم معهم كي لا يفروا ويتركوا ساحة المعركة. وأمر مالك جيشه أن يختبئوا على مداخل وادي حنين، فإذا ظهر المسلمون هجموا عليهم مرة واحدة.
وأقبل النبي ( ومعه اثنا عشر ألف مسلم، واغترَّ المسلمون بكثرتهم، فظنوا أنهم لن يُهزموا أبدًا، فأراد الله تعالى أن يعطيهم درسًا عظيمًا، وبين لهم أن الكثرة وحدها لا تحقق النصر، فقد وقعوا في المكيدة التي دبرها لهم مالك بن عوف، وانهال عليهم المشركون بالسهام من كل ناحية، فانهزموا، وفرَّوا، وإذا بالنبي ( يثبت أمام الكفار وينادي المسلمين: "إليَّ يا عباد الله، أنا محمد بن عبد الله، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" [متفق عليه].
وأخذ العباس عم النبي ( ينادي الناس، فتجمع المسلمون حول النبي ( صائحين: لبيك. لبيك. وانهالوا على الكفار يقتلونهم، فقال (: "الآن حمي الوطيس" [مسلم]. ثم أخذ بيده الشريفة حصيات من الارض، فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة" [مسلم]. وقذف الله في قلوب المشركين الرعب، فانهزموا، وفر قائدهم مالك بن عوف تاركًا أمواله وأهله، وتوجه هو ورجاله إلى الطائف. وغنم المسلمون أربعة وعشرين ألفا من الغنم، وستة آلاف أسير، وكثيرًا من الفضة.
وانتظر الرسول ( هوازن بضعة عشر يومًا، ربما أتت إليه مسلمة معتذرة فيرد لهم أموالهم، لكنهم لم يأتوا، فوزعها على المسلمين. ثم توجه المسلمون إلى الطائف، للقضاء على ثقيف ومن فرَّ من هوازن، وحاصروا حصونها خمس عشرة ليلة، اكتشفوا خلالها أن المشركين يستطيعون الصمود خلف الحصون عامًا كاملاً بما لديهم من غذاء ومؤنة، فأمر ( المسلمين بالرحيل، ودعا لثقيف قائلاً: "اللهمَّ اهد ثقيفًا وأت بهم مسلمين" [الترمذي].
فاستجاب الله لنبيه ( وجاء وفد ثقيف مسلمًا. وقدم وفد هوازن ممن أسلموا وسألوه أن يرد عليهم أموالهم وسبيهم، فقال (: "اختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال"، فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، فالحسب أحب إلينا، فقال ( للمسلمين: "إن إخوانكم قد جاءوا تائبين، وإني رأيت أن أراد سبيهم، فأذنوا في ذلك فأعيدوا إلى هوازن سبيها" [البخاري].

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:20 pm

غزوة تبوك

فتحت مكة، وانتشر الإسلام في جزيرة العرب، وأصبح يشكل خطرًا على الروم، فرأى الروم أن يجهزوا جيشًا لقتال المسلمين. فكان لابد للمسلمين من الخروج إليهم، ولكن الحر شديد، والسفر إلى أرض الروم طويل، والناس في عسرة، وثمار المدينة حان وقت حصادها، وفي ظل هذه الظروف كلها، كان القرار الحاسم، فقد أعلن الرسول ( على الناس الخروج لقتال الروم، وهذه فرصة ليظهر المنافقون أمام المجتمع المسلم، ويثبت المسلمون الصادقون في إسلامهم.
وتسابق المسلمون في فعل الخير، وتجهيز الجيش الذي سمي بجيش العسرة، فجاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بنصف ماله، فقال رسول الله (: "ما أبقيت لأهلك؟". قال: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال: "يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟". فقال: "أبقيت لهم الله ورسوله. [الترمذي]، وجاء
عثمان بن عفان إلى النبي ( بألف دينار، فوضعها في حجر النبي ( فجعل يقبلها بيده، ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" [الترمذي].
وقي الوقت نفسه كان المنافقون يختلقون الأعذار حتى لا يشاركوا في هذه الغزوة، وأخذوا يروِّجون لأفكارهم فيما بينهم، ويقولون: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: (قل نار جهنم أشد حرًّا لو كانوا يفقهون) [التوبة: 81]. وتحرك جيش المسلمين في شهر رجب من العام التاسع الهجري رغم الحر والتعب تاركين المدينة، وما بها من ثمار وظلال؛ طاعة لله ورسوله.
وفي الصحراء، اشتد الحر ونفد الماء، فدعا النبي ( ربه، وظل رافعًا يديه، فأرسل الله سحابة أمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء. ووصل الجيش بسلام إلى تبوك، فنزل الرعب بقلوب الأعداء، فتفرقوا وانسحبوا داخل بلادهم، ولم يقدروا على محاربة المسلمين. فبعث الرسول ( خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب حصن دومة، وقال له: "إنك ستجده يصيد البقر".
وفي ليلة مقمرة، وقفت بقرة جميلة تحك باب القصر فنزل إليها الملك ليصيدها، وركب فرسه، وأخذ رمحه، وخرج مع بعض من أهله، فلما خرجوا كانت رسل النبي ( تنتظره، فأخذته، وقتلوا أخاه، وقدم خالد بن الوليد ومعه أكيدر أسيراً، فصالحه الرسول ( على الجزية، ثم تركه وخلى سبيله وعاد إلى قريته.
وعاد الرسول ( بالجيش مظفرًا منتصرًا بعد أن حقق أهداف غزوته دون قتال، وبينما هم في طريقهم إلى المدينة قال (: "إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم".
قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر" [متفق عليه]. وخرج هؤلاء المسلمون الصادقون الذين حبستهم الأعذار عن الخروج في الغزوة يستقبلون الرسول ( والجيش بالفرحة الشديد. أما المنافقون المتخلفون عن الجهاد، فقد أخذوا يقدمون الأعذار الكاذبة لرسول الله (، فقبل منهم علانيتهم، وترك سرائرهم لله تعالى.
وكان من بين الذين تخلفوا عن الغزوة كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وهم من المؤمنين الصادقين، ولكنهم لم يخرجوا مع النبي ( لقتال الروم، ولم يكن لهم عذر.
جاء كعب بن مالك وسلم على النبي ( فتبسم له النبي ( تبسم المغضب، وقال: "تعالَ" قال كعب فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت (اشتريت) ظهرك (دابتك)؟" فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلا، ولكني والله لقد علمت إن حدثتُك حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطكَ علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله (: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك".
فقمت وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: "والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ( بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفارُ رسول الله ( لك.
قال: فوالله ما زالوا يُؤنِّبونني حتى أردت أن أرجع فأُكذِّبَ نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مُرارةُ بن الرَّبيع القمريّ، وهلال بن أمية، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسْوة.
فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله ( المسلمين عن كلامنا من بين من تخلَّف عنه. فاجتبينا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرتْ في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ( فأُسلِّم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأُسارِقُه النَّظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفت نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسوَّرْتُ جدار حائط أبي قتادة (أي: تسلقتُ جدار بستانه)، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له، فنشدته فسكت، فعدتُ له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار.
فبينما أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدُّل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له،
حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعدُ، فإنه قد بلغني
أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التَّنُّور (الفرن) فسجرته بها (حرقته). حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله ( يأتيني فقال: إن رسول الله ( يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. ولكن اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
فجاءت امرأة هلال بن أمية، رسول الله ( فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربك". قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ( في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله (، وما يدريني ما يقول رسول الله ( إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. فلبث بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ( عن كلامنا.
فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحُبت، سمعت صوت صارخ ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج.
فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله (، فيلقاني الناس فوجًا فوجًا، يهنئوني بالتوبة يقولون: لتَهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس، وحوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.
فلما سلمت على رسول الله ( قال رسول الله ( وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك" قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عندك الله؟ قال:"لا، بل من عند الله". وكان رسول الله ( إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.
فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله. إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك". قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. فقلت يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ( أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ( إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت.
وأنزل الله على رسوله (: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذي اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليبوبوا إن الله هو التواب الرحيم) [التوبة: 117-118].
فوالله ما أنعم الله على من نعمة قط -بعد أن هداني للإسلام- أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ( أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسفين) [التوبة: 95-96]. وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ( حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول اله ( أمرنا حتى قضى الله فيه، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه فقبل منه. [البخاري].
هدم مسجد الضرار:
عاد المسلمون من تبوك، وإذا بالنبي ( يأمرهم بحرق مسجد بناه المنافقون ليدبروا فيه المكائد ضد المسلمين، وأرادوا أن يصلي فيه النبي (، ولكن الله تعالى نهاه عن ذلك، فقال تعالى: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبدًا) [التوبة: 107-108].

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:21 pm

دعوته الملوك إلى الإسلام

بدأ رسول الله ( يبعث برسائله إلى ملوك وحكام العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، فأرسل ( إلى النجاشي ملك الحبشة عمرو بن أمية الضمري، فوضع النجاشي الرسالة على عينيه، ونزل عن سريره تواضعًا واحترامًا له واعتنق الإسلام وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته.
وأرسل إلى المقوقس حاكم مصر حاطب بن أبي بلتعة، فأحسن المقوقس استقباله، وأعطاه هدايا كثيرة للنبي ( وجاريتين، وبغلة، وطبيبًا، ولكنه لم يدخل الإسلام خوفًا على ملكه.
وأرسل دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم، فسلمه دحية كتاب النبي ( الذي يقول فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهُدَى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (عامة الشعب)، (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) [آل عمران: 64] [البخاري].
فجمع هرقل وزراءه وحاشيته وقال لهم: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملكُكُم فتبايعوا هذا النبي (؟ فثارت الحاشية، ورفعوا الصليب وأعلنوا عصيانهم، فلما رأى هرقل ذلك يئس من إسلامهم، وخاف على نفسه وملكه، فقام بتهدئتهم، ثم قال: إني قلت مقالتي آنفًا لأختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له، ورضوا عنه. [البخاري].
أما كسرى ملك الفرس، فقد بعث إليه النبي ( بكتاب مع عبد الله بن حذافة، وآمن بالله وقد جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإني أدعوك بدعاء الله، وإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، وإن توليت فإنما إثم المجوس عليك" [ابن إسحاق].
فمزق كسرى الرسالة، وأرسل لنائبه على اليمن يأمره بأن يرسل رجلين يأتيانه بمحمد (، ووصل الرجلان لتنفيذ المهمة، وإذا بالنبي ( يخبر الرجلين أن الله مزق ملك كسرى كما مزق كتابه، وعاد الرجلان إلى اليمن فوجد أن كسرى قد قتله ابنه، فدخلا في الإسلام.

يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:22 pm


مجيء الوفود إلى الرسول


في العام التاسع الهجري أقبلت وفود العرب من كل مكان إلى المدينة لتبايع رسول الله ( على دخول الإسلام، وعلى السمع والطاعة. وكان رسول الله ( يرسل مع كل وفد من يعلمهم أمور الدين، ويجمع منهم الزكاة ويوزعها على فقرائهم.
وجاء وفد ثقيف الذين تركهم المسلمون في غزوة الطائف، ودعا رسول الله ( لهم بالهداية. جاءوا بأنفسهم من غير قتال إلى المدينة، بعد أن رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من المسلمين فبايعوا كلهم وأسلموا، وأرسلوا وفدًا منهم يرأسهم كنانة بن عبد ياليل، فلما قربوا من المدينة قابلهم المغيرة بن شعبة، فاستقبلهم وعلمهم كيف يُحيُّون الرسول ( عند دخولهم عليه.
وأنزل رسول الله ( وفد ثقيف في المسجد، وبنى لهم خيامًا لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، ومكث الوفد أيامًا يذهبون إلى رسول الله (، ويذهب إليهم ليعلمهم مبادئ الإسلام، وكان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء فيقف عليهم يحدثهم، وكان في هذا الوفد عثمان بن أبي العاص، وكان أصغرهم، فكانوا إذا ذهبوا إلى مجلس رسول الله ( تركوه على رحالهم.
فكان عثمان كلما رجع الوفد وناموا وقت الظهيرة، ذهب إلى رسول الله ( فسأله عن الدين، واستقرأه القرآن، وذهب إليه عثمان على ذلك مرات كثيرة، وكان إذا وجد رسول الله ( نائمًا ذهب إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك عن أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله ( وأحبه. وأخيرًا دخل الإسلام أفئدتهم، ولكن كنانة بن عبد ياليل قال لرسول الله (: أفرأيت الزنا فإنا قوم نغترب ولابد لنا منه؟. قال: "هو عليكم حرام، فإن الله يقول: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) [الإسراء: 32].
قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: "لكم رءوس أموالكم، إن الله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) [البقرة:278].
قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لابد لنا منها؟ قال (: "إن الله حرمها، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) [المائدة: 90]. وسألوه أيضًا أن يضع عنهم الصلاة، فقال رسول الله ( لهم: "لا خير في دين بلا صلاة"
[ابن إسحاق].
وخلا بعضهم إلى بعض يتشاورون في الأمر ثم عادوا إلى رسول الله (، وقد خضعوا لذلك كله، ولكنهم سألوه أن يترك لهم وثنهم (اللات) الذي كانوا يعبدونه ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى رسول الله ( ذلك، فما زالوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها إلى أي أجل، فقالوا للرسول: فتول أنت إذن هدمها، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدًا.
فقال لهم:"سأبعث لكم من يكفيكم ذلك". ثم استأذنوا النبي (، فأذن لهم، وأكرمهم وحياهم، وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام، وكان قد تعلم سورًا من القرآن قبل أن يخرج. [ابن إسحاق]
وبعث رسول الله ( إليهم وفدًا على أثرهم، أمَّر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب، فعمدوا إلى اللات فهدموها، وخرجت نساء ثقيف مكشوفات الرأس، يبكين عليها ويرثينها، وكلما ضربها المغيرة بفأسه كان أبو سفيان يسخر من الصنم ويصانع حزن تلك النسوة اللاتي يندبن ويبكين عليه واهًا لك أهًا لك. [ابن إسحاق]
وقدمت وفود كثيرة المدينة، ودخلت في دين الله أفواجًا وجماعات، قال الله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) [النصر].
إرسال الولاة والأمراء إلى قبائل العرب:
أخذ النبي ( يرسل أمراءه وولاته إلى قبائل العرب يدعونهم، ويعلمونهم الإسلام، الذي انتشر في شبه الجزيرة العربية. وكان ممن أرسلهم معاذ بن جبل
-رضي الله عنه-، وهو أعلم الناس بالحلال والحرام، بعثه إلى اليمن، وقال له:
"يا معاذ، لعلك لا تلقاني بعد عامي هذا". [أحمد]، فبكى معاذ خشية فراق النبي
حج أبي بكر الصديق بالناس:
جاء موسم الحج من العام التاسع الهجري، فأمر الرسول ( أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- أن يحج بالناس، ونزلت الآيات الأولى من سورة التوبة، يعطي الله فيها للمشركين مهلة أربعة أشهر ليتوبوا ويؤمنوا بالله، وإلا قتلوا؛ لتتخلص مكة وما حولها من الشرك البغيض.
وأما من كان له عهد أطول من هذه المدة، وكان حافظًا لعهده مع المسلمين، يوفَّى له بمدة العهد، وهكذا وضع الإسلام حدًّا للوثنية في هذه الأرض الطاهرة، قال تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين) [التوبة: 1-2]. ونهى العرب عن الطواف بالبيت الحرام وهم عراة، فقد كان بعضهم يفعل ذلك، ولكن الرسول ( أمر أن يكون هذا العام آخر عام يحج فيه المشركون مع المسلمين، فقال: "ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". [البخاري].

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:24 pm

حجة الوداع

في العام العاشر الهجري حج الرسول ( مع أمته حجة الوداع؛ ليعلم الناس مناسك الحج في الإسلام.
ووقف رسول الله ( بين جموع المسلمين وهم حوالي مائة ألف مسلم يعظهم ويرشدهم. وهذا ربيعة بن أمية بن خلف ذو الصوت القوي العالي يبلِّغ عن رسول الله ( حتى يسمع الجميع، وكان مما قاله رسول الله (: "أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" [مسلم].
ونهاهم عن الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وأوصى الرجال بالنساء، يكرمونهن ويحسنون إليهن. ثم قال: "وأنتم تُسْأَلُون عني، فما أنتم قائلون؟" قالوا: إنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال ثلاث مرات: "اللهمَّ فاشهد" [مسلم].
وبينما رسول الله ( يتحدث إلى الناس، كان هناك رجل يبكي بكاء شديدًا، إنه أبو بكر الصديق حبيب رسول الله (، وأحب صحابته إلى قلبه، فقد أحس بقرب أجل رسول الله (، فقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله.
جيش أسامة:
وفي شهر صفر من العام الحادي عشر جهز الرسول ( جيشًا كبيرً لتأديب الروم، وأراد رسول الله ( أن يُعلِّم المسلمين درسًا عظيمًا في القيادة، فولَّى على الجيش أسامة بن زيد بن حارثة -رضي الله عنه-، وهو لم يبلغ العشرين من عمره؛ ليعطي الفرصة للشباب في تولي المهام الصعبة، وتدريبهم على تحمل المسئولية، برغم أن جيش المسلمين كان به كبار الصحابة مثل: أبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة بن الجراح، وغيرهم الكثير -رضي الله عنهم أجمعين-.
وضرب الجيش معسكره خارج المدينة، ولكنه عاد بعد أن علم بمرض رسول الله (، ثم بوفاته، ثم سرعان ما خرج الجيش في عهد أبي بكر الصديق
-رضي الله عنه- وهزم الروم.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:25 pm

مرض الرسول ووفاته


أصابت الحمى الرسول (، وظل يعاني منها أيامًا، فأمر أبا بكر الصديق أن يصلي بالناس، وكان إذا خرج إلى المسجد استند إلى الفضل بن العباس،
وعلي بن أبي طالب.
وفي بيت عائشة -رضي الله عنها- اشتد به الوجع، وكان قد شعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه، فأمرهم أن يصبوا عليه من سبع قرب مليئة بالماء لم يكشف غطاؤها، لعله يستطيع الخروج إلى الناس فقال: "أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتُهُنَ لعلي أعهد إلى الناس" [متفق عليه].
قالت عائشة -رضي الله عنها-: فأجلسناه في مخضب (الشيء الذي يغسل فيه الثياب)، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن.
ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبه، وكان عاصبًا رأسه، فجلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم. ثم قال: "عبد خَيَّرَهُ بين أن يؤتيه زهرة الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عنده".
فبكى أبو بكر -رضي الله عنه- إذ علم ما يقصده النبي (، وناداه قائلاً: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فقال (: "على رسلك يا أبا بكر. أيها الناس، إن أمن الناس عليَّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلا؛ لاتخذتُ أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، وإن فرط لكم، وأنا شهيد عليكم. وإني والله ما أخاف أن تشركوا من بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها"
[متفق عليه].
وعاد رسول الله ( إلى بيته، واشتد به وجعه، وثقل عليه مرضه، وكان إلى جواره قدح به ماء، يغمس فيه يده، ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: "اللهمَّ أعني على سكرات الموت" [الترمذي والنسائي].
وكانت وصية رسول الله ( حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". حتى كان رسول الله ( يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه. [ابن ماجة وأحمد]
ودعا رسول الله ( فاطمة ابنته فحدثها سرًّا فبكت، ثم حدثها فضحكت، فقالت عائشة لها: ما هذا الذي سارَّك به رسول الله ( فبكيت، ثم سارَّك فضحكت؟ قالت: سارني فأخبرني بموته فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله، فضحكت. [متفق عليه].
وفي صلاة صبح يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول في العام الحادي عشر للهجرة، رفع الحبيب محمد ( الستر المضروب على منزل عائشة، فنظر إلى أصحابه وهم يصلون، فسره اجتماعهم ووحدة كلمتهم، ونظر إليه الناس، فاطمأنوا عليه، وظنوا أن صحته قد عادت إليه، ولكنها كانت نظرة الوداع، فما إن حل الضحى حتى خرجت روحه الطاهرة إلى خالقها سبحانه وتعالى.
فقالت فاطمة -رضي الله عنها-: يا أبتاه! أجاب ربًّا دعاه. يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه. يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه. [البخاري]
وتسرب النبأ الأليم في المدينة، فأظلمت جنباتها بعد أن أشرقت، وسعدت بحياة رسول الله ( على أرضها.
لقد كان حادثًا مؤلمًا مفجعًا، فها هو ذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لم يصدق الخبر عندما سمعه، فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول
الله توفي، وإن رسول الله ما مات، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب
موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة. ثم رجع بعد أن قيل قد مات.
والله ليرجعن رسول الله (، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهن يزعمون أنه مات!.
وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيء دخل على الرسول ( في بيت عائشة وهو مغطي في ناحية البيت، فكشف وجهه فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي.. أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن يصيبك بعدها موت أبدًا. ورد الثوب على وجهه، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر.. فأنصت. لكن عمر ما زال ثائرًا، فلما رآه أبو بكر كذلك، أقبل على الناس، وشرع يتكلم، فلما سمعه الناس انصرفوا عن عمر وأقبلوا عليه.
وحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس.. من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)
[آل عمران: 144].
لقد مات الرسول ( ولكن بقيت شريعة الله، وسنة رسوله بين المسلمين، ما بقيت السماوات والأرض ضياءً وهدى لكل من استضاء واهتدى.
ولكن ماذا بعد موت رسول الله (؟ هل يتفرق المسلمون؟ ويعود العرب إلى كفرهم وأوثانهم؟ لا.. لقد تسلم راية الإسلام رجال الإسلام الذين تخرجوا في مدرسة الرسول (، وفي مسجده. وكان أول خليفة للمسلمين أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- الذي تسلم الراية وبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:26 pm


هديه وخصائصه وشمائله


كان للنبي زوجات، اختارهن الله -سبحانه- ليكن أمهات المؤمنين، وليحملن عبء الدعوة مع الرسول ( وهن: خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، وكانت أول زوجة للنبي (، ولم يتزوج غيرها، حتى توفيت.
وسودة بنت زمعة -رضي الله عنها-، وقد تزوجها الرسول ( بعد خديجة. ثم تزوج عائشة بنت أبي بكر -رضي الله عنها-. ثم تزوج زينب بنت خزيمة
-رضي الله عنها-، وتوفيت عنده (. ثم تزوج أم سلمة هند بنت أبي أمية، وهي آخر نسائه موتًا.
ثم تزوج زينب بنت جحش ابنة عمته، التي كانت زوجة لزيد بن حارثة مولى رسول الله (، وكان الله -سبحانه- هو وليها الذي زوجها لرسول الله، وتوفيت في أول خلافة عمر. وتزوج ( جويرية بنت الحارث، ثم تزوج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وقد تزوجها الرسول ( وهي ببلاد الحبشة، وقد دفع النجاشي صداقها، وقدره أربعمائة دينار، وماتت في أيام أخيها معاوية.
وتزوج صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير، ثم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوج بها.
سراريه (:
وكان من سراريه ( مارية القبطية، وريحانة، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش، وجارية أخرى أصابها في بعض السبي.
أولاده (:
وكان له ( من الأولاد القاسم، وزينب، وعبد الله، وإبراهيم، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وكل أولاده من خديجة -رضي الله عنها- إلا إبراهيم، فإنه كان من مارية القبطية.
صفة النبي (:
كان رسول الله ( فخمًا مفخمًا، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، ليس بالطويل ولا بالقصير، عظيم الهامة، شعره رجل بين الجعودة والسبوطة، فيه تكسير قليل، وافر يجاوز شحمه أذنيه. واسع الجبين، له نور يعلوه، كثيف اللحية، شديد سواد العين، سهل الخدين، ورقيق الأسنان، بين أسنانه فتحات، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم رؤوس العظام، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، رحب الراحة، أملس القدمين ليس فيهما تكسر ولا شقاق، سريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من منحدر، وإذا التفت التفت كله.
منطقه (:
كان ( دائم الفكر، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يتكلم بجوامع الكلم، يعظم النعمة وإن كانت صغيرة، لا يذم منها شيئًا ولا يمدحه، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، معظم ضحكه أن يبتسم.
دخوله (:
كان ( إذا دخل منزله قسم دخوله ثلاثة أجزاء، جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه،ثم جزء جزءه بينه وبين الناس، فرد ذلك على العامة والخاصة، لا يدخل عنهم شيئًا.
مجلسه (:
كان ( لا يجلس ولا يقوم إلا ذاكرًا لله تعالى، يجلس حيث انتهى به المجلس، يعطي كل جلساته نصيبًا، لا يرى في مجلسه أكرم منه، لا ينصرف من كان معه، من سأله حاجة لا يردَّه إلا بها، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، كل الناس عنده في مجلسه سواء، فمجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تذكر فيه العيوب، وكان في مجلسه دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب، ولا فحاش ولا عياب، ولا كثير المزاح، يتغافل عما لا يشتهي.
وكان ( في مجلسه يترك الناس من ثلاث: أن لا يذم أحدًا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، يضحك إذا ضحك الحاضرون ويتعجب مما يتعجبون، ويصبر على الغريب على قسوته في كلامه ومسألته، ولا يقطع على أحد حديثه.
سكوته (:
كان سكوته ( على أربع: الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير، فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجُمع له ( الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء إلا إذا انتهكت محارم الله.
طعامه (:
كان ( لا يرد من الطعام ما وجد، ولا يتكلف في طلب ما فقد، فما قرب إليه أكله، وإن عافته نفسه لا يعيبه وتركه، فكان ( يأكل ما تيسر، فإن لم يجد ما يأكله صبر، فكان يضع من الجوع على بطنه الحجر، ويمر الهلال بعد الهلال ولا يوقد في بيته نار، كانت الأرض سفرته، يضع عليها طعامه، وكان يأكل بثلاث أصابع وهو أشرف ما يكون في الأكل، فإن المتكبر يأكل بأصبع واحدة، والجشع يأكل بخمس.
وكان ( لا يأكل متكئًا، وكان يسمي الله تعالى أول الطعام، وبحمده آخره فيقول: "الحمد لله حمدًا طيباً مباركًا فيه غير مكفى ولا دموع ولا مستغنى عنه ربنا" [البخاري].
شربه (:
كان ( يسمّي الله قبل الشرب، ويحمده بعده، وكان أكثر شربه قاعدًا، بل نهى عن الشرب قائمًا، وشرب مرة قائمًا، ليبين أنه يجوز لك إذا كان لحاجة أو عذر، وكان إذا شرب ناول من على يمينه، حتى لو كان من على يساره أكبر منه، لأنه ( يحب التيامن في كل شيء.
نومه (:
كان ( ينام على الفراش تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة، فعن عباد بن تميم عن عمه قال: رأيت رسول الله ( مستلقيًا في المسجد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى" [متفق عليه]، وكان فراشه مصنوعًا من جلد قد حشي ليفًا، وكان إذا أراد النوم جمع كفيه ثم ينفث فيهما، ثم يقرأ فيهما (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه، ووجهه، وباقي جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.[أبو داود والترمذي].
وكان ينام على جنبه الأيمن، ويضع يده اليمنى تحت خده، ثم يقول: "اللهمَّ قني عذابك يوم تبعث عبادك" [أبو داود والترمذي]، وكان يقول إذا أوى إلى فراشه: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي" [مسلم والترمذي].
وكان ينام أول الليل، ويقوم آخره، وربما سهر أول الليل في مصالح المسلمين، وكانت عينه تنام، ولا ينام قلبه، وكان إذا نام لم يوقظوه حتى يكون هو الذي يستيقظ، وكان إذا نام بالليل، اضطجع على جنبه الأيمن، وإذا نام قبيل الصبح نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه.[الترمذي].
ركوبه (:
كان ( يركب الخيل والإبل والبغال والحمير، وكان يركب وحده، وربما أردف غيره خلفه على البعير، وكان أكثر ما يركب الخيل والإبل، ولم يكن عنده إلا بغلة واحدة، أهديت له.
بيعه وشراؤه (:
كان ( يبيع ويشتري، وكان شراؤه أكثر من بيعه وخاصة بعد النبوة، ولا يحفظ له بعد الهجرة بيع إلا نادرًا.
وآجر رسول الله ( واستأجر، وكان استئجاره أكثر من إيجاره، وإنما يحفظ عنه أنه أجر نفسه قبل النبوة في رعاية الغنم، وأجر نفسه من خديجة في سفره بمال إلى الشام.
وشارك ( غيره في التجارة، واستدان برهن وبغير رهن، واستعار من غيره أشياء، واشترى حالاً ومؤجلاً.
معاملته (:
كان ( أحسن الناس معاملة للناس، فكان إذا تسلف شيئا قضى خيرًا منه، فقد جاءه رجل يتقاضاه بعيراً، فقال رسول الله (: "أعطوه". فقالوا: لا نجد إلا سنًّا أفضل من سنِّه، فقال الرجل: أوفيتني أوفاك الله، فقال رسول الله (: "أعطوه، فإن من خيار الناس أحسنهم قضاء" [متفق عليه]، وكان إذا قضى ما استلفه دعا لمن سلفه، فقال:"بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء" [أحمد والنسائي وابن ماجة].
وكان سمحًا لمن تقاضاه، فقد جاءه رجل يتقاضاه، وأغلظ له القول، فهمَّ عمر بن الخطاب أن يضربه، فقال رسول الله (: "مه يا عمر كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر" [الحاكم].
أمور فطرته (:
كان ( يعجبه التيامن في كل شيء في ترجله وطهوره وأخذه وعطائه، وكان يجعل اليمين لطعامه وشرابه وطهوره، ويساره لخلائه، وغير ذلك من إزالة الأذى.
الحلق: وكان يحب أن يحلق الرأس كله، أو يترك كله، وكان يكره أن يحلق بعضه، ويترك بعضه.
السواك: وكان يحب السواك، وكان يستاك مفطرًا وصائمًا، وكان يستعمل السواك في أحيان كثيرة، فكان يستاك عند النوم، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وعند دخول المنزل، وكان يستاك بعود الأراك.
الطيب: وكان ( يحب الطيب ويكثر منه، وكان ( لا يردُّ الطيب، فقد ورد عنه قوله (: "من عرض عليه طيب فلا يرده" [مسلم].
وكان ( يكتحل، وكان ( يختضب، وقد سئل جابر بن سمرة -رضي الله عنه- أكان في رأس النبي ( شيب؟ قال: لم يكن في رأسه شيب إلا شعرات في مفرق رأسه إذا ادهن واراهُنَّ الدهن، وكان يسرح شعره ويزينه أحيانًا، وتزينه وتسرحه عائشة -رضي الله عنها- أحيانًا أخرى.
قص الشارب: كان رسول الله ( يقص شاربه، فعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (: "من لم يأخذ من شاربه، فليس منَّا" [النسائي والترمذي].
وقد جعل الرسول ( وقتًا لا يترك بعده قص الشارب، فعن أنس قال: وقت لنا النبي ( في قص الشارب وتقليم الأظفار، ألا نترك أكثر من أربعين يومًا وليلة". [مسلم والترمذي والنسائي]
ضحكه وبكاؤه (:
كان ضحك النبي ( تبسمًا لا قهقهة، وكان يضحك مما يضحك منه الناس، ويضحك مما يتعجب من مثله، ويستغرب وقوعه، أو يكون شيئًا نادرًا الوقوع.
وأما بكاؤه فكان حاله كحال الضحك، لا يرفع فيه صوتًا، ولكن كانت عيناه تدمع، ويسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا من الله، وتارة خوفًا وشفقة على أمته، وكان يبكي عند سماع القرآن، وبكى عند وفاة ابنه إبراهيم، فلما سئل عن ذلك، قال (: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" [متفق عليه].
خطبته (:
خطب الرسول ( على الأرض، وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى الناقة، وكان له جذع نخلة يخطب عليه حتى صنع له منبر، وكان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، كأنه منذر جيش.
وكان إذا صعد المنبر أقبل على الناس بوجهه وقال: "السلام عليكم" وكان يختم خطبته بالاستغفار، وكثيرًا ما كان يخطب بالقرآن، فعن أم هشام بنت حارثة، قالت:" ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ( يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس" [مسلم والنسائي وأبو داود].
وكان ( يراعي حالة المخاطبين ومصلحتهم، وكان يفتتح خطبته بالحمد والثناء، ويتشهد فيها بالشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه "محمد" (، وكان إذا قام يخطب أخذ عصا، فتوكأ عليها وهو على المنبر وكان منبره ثلاث درجات فإذا استوى عليه، واستقبل الناس، أذن المؤذن ولم يقل شيئًا قبله ولا بعده، ولا يتكلم أحد أثناء خطبته.
وكان إذا عرض له في خطبته شيء عارض، اشتغل به، ثم رجع إلى خطبته، فقد كان يخطب ذات مرة الناس، فجاء الحسن والحسين يعثران في قميصين أحمرين. فقطع كلامه، فنزل، فحملهما، ثم عاد إلى منبره.
وكان خطبته قد تطول أو تقصر بحسب حاجة الناس، ومراعاة أحوالهم، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة.
لبسه (:
لم يتقيد الرسول ( بلبس نوع معين من الثياب، فقد كان يلبس ما تيسر له من اللباس، سواء أكان من الصوف أو القطن أو الكتان، وقد لبس الرسول ( البرود اليمانية، والبرد الأخضر، ولبس الجبة، والقباء، والقميص، والسراويل، والرداء، والخف، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة، وتركها تارة.
وكان من هديه ( إذا لبس ثوبًا جديدًا أن يقول: "اللهمَّ أنت كسوتني هذا القميص أو الرداء أو العمامة، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره، وشر ما صنع له" [أبو داود والترمذي وأحمد].
مزاحه (:
اشتهر عن الرسول ( أنه كان يمازح أزواجه، ويمازح أصحابه، وكثيرًا ما كان يمازح الأطفال والصبيان، فقد روى أنس أن رسول الله ( أتى لرجل من أصحابه كان يبيع متاعه في السوق، فاحتضنه رسول الله (، ولا يبصره الرجل، فقال الرجل: أرسلني، من هذا؟ فالتفت، فعرف رسول الله (، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره لصدر الرسول ( حين عرفه، وجعل الرسول ( يقول: "من يشتري العبد؟" فقال: يا رسول الله، إذن والله تجدني كاسدًا، فقال (:"ولكن عند الله لست بكاسد، أو قال: ولكن أنت عند الله تعالى غالب" [أحمد]. وكثيراً ما كان الرسول ( يمازح الحسن والحسين -رضي الله عنهما-، ويحملهما على ظهره.
خلقه (:
كان رسول الله ( أحسن الناس خلقًا، فكان كما قال الله له: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم: 4]، وقد سئلت السيدة عائشة -رضي الله عنه- عن خلق رسول الله ( فقالت: كان أحسن الناس خلقًا، كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا سخابًا في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ثم قالت: اقرأ سورة المؤمنين، اقرأ (قد أفلح المؤمنون) إلى العشر، فقرأ السائل قد أفلح المؤمنون، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله (. [مسلم والترمذي]، بل جعل رسول الله ( غاية الرسالة إتمام الأخلاق الحميدة: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله (: "إنما جئت لأتمم صالح الأخلاق" [أحمد].
وكان ( لين المعاملة حتى مع خدمه، وكان متباسطًا، فقد كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله (، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب حيث شاءت، ويجيب إذا دعا. [البخاري وأحمد]
وكان ( أحسن الناس تعليمًا، وأرفق الناس عند نصح أو تعليم الغير. وكان ( يخاطب الناس على قدر عقولهم.
حلمه وعفوه (:
كان ( أكثر الناس حلمًا، وقد قال له ربه -عز وجل-: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف: 199].
ولما نزلت هذه الآية، سأل الرسول ( جبريل عنها، فقال: لا أدري فصعد ثم نزل، فقال: يا محمد، إن الله تبارك وتعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك" [ابن مردويه]. لذلك عفا ( عن أهل مكة عندما فتحها، على الرغم مما فعلوه معه. وحلم الرسول ( كان فيما يتعلق بحق نفسه (، أما إذا كان الحق لله، فإنما كان يتعامل بالشدة؛ لقول الله له: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) [التحريم: 9].
حياؤه (:
اشتهر رسول الله ( بالحياء، حتى كان الصحابة يعرفون ذلك في وجهه، فعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ( أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه. [متفق عليه] وكان من حيائه ( أنه لا يسأل من شيء إلا أعطى. [عبد بن حميد].
رحمته وشفقته (:
وصف الله رسوله ( بالرحمة، فقال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء: 107]، ومن رحمته ( أنه كان كثير الدعاء لأمته. وعرف عنه ( رحمته بالصغار، وكان يخفف صلاته بالناس إذا سمع بكاء طفل رحمة بأمه.
وعرف عنه ( الرحمة والشفقة بالنساء، وأوصى بهن خيرًا.
تواضعه (:
أمر الله تعالى رسوله ( بالتواضع، فقال له: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) [الشعراء: 215].
وقد اشتهر عنه ( التواضع، فكان ( يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويعقل الشاة، ويجيب الضعيف والمسكين إلى الطعام [الحاكم]. ومن تواضعه ( أنه كان ينقل التراب يوم الأحزاب، وقد وارى التراب بياض إبطه. [البخاري].
وكان ( إذا سار مع أصحابه لا يسير أمامهم، بل يسير وسطهم أو خلفهم. [أحمد]، وكان ( لا يرد دعوة إنسان، بل كان يقول (: "لو دعيت إلى كراع لأجبت" [الخطيب]. وكان ( لا تغلق دونه لأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، فكان يقوم لكل من أراده، ويقضي حاجة من يطلب منه المساعدة.
وكان من تواضعه ( أنه كان يمر على الصبيان، فيسلم عليهم. ولما دخل ( مكة منتصرًا، دخلها وهو راكب دابته، وذقنه على رحله متخشعًا. [الحاكم]. وكان رسول الله ( إذا استقبله الرجل وصافحه، لا ينـزع يده عن يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينـزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه، حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له.
[الترمذي وابن ماجة].
وكان من تواضعه ( أنه لا يحب الثناء الكثير عليه، ولا يحب أن يقوم إليه أحد.
شجاعته (:
فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس نحو الصوت، فتلقاهم رسول الله( راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عرى، في عنقه السيف، وهو يقول:" لم تراعوا، لم تراعوا، ما وجدت من شيء" [ابن سعد].
وكان الرسول ( أشجع ما يكون في الحرب والقتال، فكان يثبت إذا فرَّ الناس، وقد كان الصحابة يعرفون شجاعة النبي(، بل كانوا يحتمون به وقت الشدة.
كرمه وجوده (:
اشتهر رسول الله ( بالجود والكرم، وما سئل(، فقال لا. [متفق عليه]
وقد امتدح الشاعر الفرزدق النبي ( في كرمه وجوده فقال:
ما قال لا قطُّ إلا في تشهُّده لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الثلاثاء مايو 20, 2008 11:27 pm


وعن أنس -رضي الله عنه- قال: ما سئل رسول الله( شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى أهله، فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدًا( يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وإن كان الرجل ليجئ إلى الرسول( وما يريد بذلك إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا وما فيها. [مسلم].
خوفه وخشيته (:
كان رسول الله( شديد الخشية لله، تقول عائشة -رضي الله عنها-: ما رأيت رسول الله ( مستجمعًا قط ضاحكًا، حتى ترى لهواته، إنما كان يتبسم.
وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قرأ رسول الله ( سورة الإنسان (هل أتى) حتى ختمها، ثم قال: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء، وحقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم، بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى، والله إني لوددت أني شجرة تعضد" [الحاكم].
شمائله (:
كان لرسول الله ( بعض المعجزات والبركات، منها تكثير الماء بين يديه (، فقد أوتي ( بإناء فيه ماء، فوضع فيه يده، وجاء الصحابة فتوضئوا منه، وكانوا أكثر من ثلاثمائة، ومنها تكثير اللبن في الإناء كما حدث مع أبي هريرة -رضي الله عنه- وأهل الصُفَّة، وكم من مرة وضع يده على شاة لا تحلب فحلبت، وسيرته في تكثير الماء والطعام من أن تحصى، بل كان الطعام والشراب يسبحان بين يديه (، وقد سمع الصحابة التسبيح.
ولما اتخذ الرسول ( منبرًا، وترك جذع النخلة الذي كان يخطب عليه، حنَّ الجذع إليه، وصاح صياح الصبي حتى تصدع وانشق، فاحتضنه الرسول (.
[أحمد والترمذي].
وقد سبح الحصى في يديه، فسمع الصحابة له صوتا كصوت النحل، ثم وضعه في كف أبي بكر فسبح، ثم في كف عمر، ثم في كف عثمان، فسبح. [الطبراني والبيهقي].
وقد وقف الرسول ( ومعه العشرة المبشرون بالجنة على جبل حراء، ففرح الجبل، فأمره الرسول ( أن يثبت ويهدأ. [البخاري].
ولما دخل الرسول ( مكة عند فتحها، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فأشار إلى كل صنع بعصا، وقال: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: 81]، فكان كل صنم يسقط دون أن يلمسه الرسول ( بالعصا. [متفق عليه]
وكان للنبي ( معجزات مع الحيوانات، فقد هاج جمل عند حائط من حوائط بني النجار، لا يستطيع أحد أن يمسكه، فجاء النبي (، ونادى الجمل، فأتى إلى الرسول ( وبرك بين يديه. [مسلم]
وجاءه ( جمل، قد جرح، وذرفت عيناه، فمسح رسول الله ( من رأسه إلى سنامه، فسكن الجمل، ثم قال لصاحبه: "أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكتها، إنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه" [أحمد ومسلم].
واشتكى علي بن أبي طالب إلى الرسول ( وجع عينيه، وكان الرسول ( قد أراد أن يعطيه راية خيبر، فبصق رسول الله ( في عينيه، ودعا له، فشفي حتى كأن لم يكن به مرض. [متفق عليه]
خصائصه (:
وقد اختص الله رسوله ( بكثير من الخصائص، أهمها: أن الله قد أخذ الميثاق على النبيين أن يؤمنوا به وينصروه ويبشروا به أممهم، وقد جاء وصف الرسول ( في الكتب السابقة، كما وصف أصحابه أيضا، كما أن الملائكة أظلته في سفره (، وأنه ( أرجع الناس عقلاً، وأنه رأى جبريل -عليه السلام- مرتين.
وخصه بأنه خاتم الأنبياء، وسيد الناس، وأكرم الخلق، وأنه بعث للناس كافة، وأن الجن آمنت به وأنه أرسل رحمة للعالمين، وأن شرعه مؤبد غير منسوخ، وأنه ناسخ لما قبله من الشرائع، وأنه نصر بالرعب مسيرة شهر، وأنه من صلى عليه مرة، صلى الله عليه به عشرا، وأن صلاة أمته تبلغه هو في قبره، وأنه أوتي جوامع الكلم، وجمع الله له القبلتين، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره.
وخصه الله دون الأنبياء بأشياء أهمها: إحلال الغنائم له، والأرض كله مسجد، والتراب طهور، وغير ذلك من الخصائص التي لا تعد ولا تحصى، مما اختص الله سبحانه وتعالى به نبيه (.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
rezkighanem
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 226
تاريخ التسجيل : 09/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الأربعاء مايو 21, 2008 12:31 am

احسدك على هذاالتنظم الرائع
الاشكال هو الوقت المقدر لهذاالعمل

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمار جعيل
الإدارة
الإدارة


عدد الرسائل : 1223
العمر : 50
تاريخ التسجيل : 21/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الأربعاء مايو 21, 2008 3:32 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

جزاك الله خيرا أخي " الطاهر " على ما قدمت
جهد مبارك ، أثقل الله به ميزان حسناتك
و وفقك و سدد خطاك و أنار دربك و قلبك و قبرك
و قمت بتثبيت الموضوع ، ثبتنا الله جميعا بالقول
الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة
.

_________________
عن عبد بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))
البخاري في الجامع الصحيح .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أصيل
عضو فعال
عضو فعال


عدد الرسائل : 156
العمر : 44
تاريخ التسجيل : 12/11/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الخميس مايو 22, 2008 4:09 pm

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

جزاك الله خيرا أخي الكريم على هذه الموسوعة
لحياة النبي ( صلى الله عليه وسلم )
بارك الله فيك .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الخميس مايو 22, 2008 11:25 pm



عانقت جدران منتدانا الجميل بريكة
عطر قدومكم ... وتزيّنت
مساحاته بأعذب عبارات الود والترحيب
ومشاعر الأخوة والإخلاص ... كفوفنا ممدودة
لكفوفـكم .بالتكاتف في سبيـل زرع بذور
الأخلاقيـات الراقيـة ولا نلبـث أن نجني منهـا
إن شاء الله ثمراً صالحاً.. ونتشـارك
كالأسرة الواحدة لتثقيف بعضنا
البعض في كل المجالات
شكرا الاخ و الاستاذ الكريم
عمار جعيل

على تثبيت الموضوع و اعتبرها هدية منك
كما اشكر اخي رزغي غانم على المرور الجميل
و الكلمات التي زادت الموضوع حماسا
و من جهة اخرى اشكر جزيل الشكر لاخي اصيل
على المرور الرائع
حفظكم الله تعالى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مؤمن



عدد الرسائل : 75
العمر : 47
تاريخ التسجيل : 13/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الخميس يونيو 19, 2008 5:33 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

جزاك الله خيرا أخي الكريم
أثقل الله ميزان حسناتك
بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
lion
مراقب
مراقب
avatar

عدد الرسائل : 861
تاريخ التسجيل : 17/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم   الجمعة يونيو 20, 2008 1:17 am


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك اخي مؤمن
لك جزيل الشكر على المرور و تصفحك الموضوع
حفظك الله تعالى ان شاء الله تعالى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ملف متكامل لسيرة الرسول صلى عليه وسلم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 3انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التعليم بريكة :: إسلاميات :: سيرة وتاريخ-
انتقل الى: